أبرار وأشرار في تظاهرات تشرين

اخبار العراق:

سليم الحسني

تأخرت كثيراً التظاهرات الجادة التي تدعو الى الإصلاح، تأخرت كثيراً مقارنة بما عاناه الشعب العراقي من فساد الطبقة الحاكمة، وهذا ما خلق قناعة عند الكتل الحاكمة من سنية وشيعية وكردية، بأن الشعب لن يطالب بحقوقه، وإذا حدث وأراد الخروج بتظاهرات مطلبية، فانه سيهتف في ساحة التحرير وبعض ساحات المدن، ثم يعود في المساء مرتاحاً بعد أن شفى غليله بالصراخ والهتاف، وعلى هذا فان بالامكان تسمية معظم جولات التظاهر التي حدثت في السنوات السابقة بأنها كانت استعراضية أكثر من كونها جادة وفق المعنى الحقيقي للتظاهر الإصلاحي أو التغييري.

في تظاهرات الأول من تشرين 2019، كان الموعد معلوماً من قبل، وقد جرى تداول موعدها على شبكات التواصل الاجتماعي، وتحدث عنها عدد من السياسيين والمسؤولين، لكن الحكومة لم تتخذ أي إجراء، ولم تعرها اهتماماً كافياً، وبحسب بعض المعلومات فان عادل عبد المهدي كان يقلل من حجمها وتأثيرها، ويستهين بها بأنها لن تكون أمراً ذا بال، وهي مجرد حضور روتيني مثل التظاهرات السابقة.

بعد خروج التظاهرات وحصول المواجهات وسقوط الضحايا بأعداد كبيرة، حدثت الصدمة العامة في الوسطين السياسي والشعبي، فقد ظهرت الصورة بشكل مغاير للتوقعات، وبدا العراق على حافة دموية سحيقة، وتعالى الحديث عن التآمر والتخطيط والمندسين والممولين والمشغلين، كما تعالى الكلام عن نفاد الصبر وعن جيل الشباب الجديد وعن فورة الغضب الحتمية.

تريثتُ كثيراً في الكتابة، ولم انشر سوى بضعة منشورات، لأنني كنتُ بصدد الإحاطة بما جرى ويجري، فمصادر المعلومات ومقاطع الفيديو وزخم الآراء ووجهات النظر في أجواء الحماس والشدّ الميداني تُضعف الرؤية الى حد كبير.

كما أن سبباً آخر كان له بعض الضغط النفسي عليّ وجعلني أتريثُ في الكتابة، عندما كنتُ اتلقى عتاباً مرّاً حريصاً من بعض الأصدقاء المخلصين، يذكّرني بما كتبته من مقالات نقدية شديدة على مدى خمسة عشر عاماً، والحلقات الطويلة من سلسلة “إسلاميو السلطة” وسلسلة “وهم الدولة” وغيرهما من عشرات المقالات التي قطعتْ صلتي بالكثير من الأصدقاء، وأنهت علاقات تاريخية مع الكثيرين.

لقد أخذتُ وقتي في التدقيق والفحص وتجميع المعلومات، وأشعر بأنني قادر على الكتابة حول الذي جرى ويجري بخصوص هذه التظاهرات. وسأخصص مجموعة من المقالات بهذا الشأن، مستنداً الى قناعتي وطريقتي في الكتابة بأن ما أسجله أبقى مسؤولاً عنه متمسكاً به، ما لم يرد ما يثبت خطأ المعلومة، ولعل السادة القرّاء والمتابعين الكرام، يتذكرون ذلك ويعرفونه.

بعون الله سأكتب عن هذه التظاهرات، عن مخاطر جدية، وعن اشخاص كانوا يريدون حصول المخاطر الجدية، وعن أخطاء المعنيين في التعامل معها، وعن أسبابها العميقة، مع التأكيد على أنها تظاهرات جمعت الخليط الميداني المعقد والمتشابك، ففيها المخلصون الذين طالبوا بحقوقهم وهم الأغلبية، وفيها المندسون والبعثيون والمغرضون، وفيها الإقليميون والدوليون، وفيها الانتهازيون والنفعيون.

هذا الخليط المضطرب، لا يشكّل خطراً على البلد عندما تكون زمام التظاهرات بأيدي المخلصين الذين يريدون الإصلاح وهم الأغلبية، وعندما يمتلكون وعي الرصد اليومي لما يدور قربهم وعلى الساحات التي يتظاهرون فيها، لكنه يصبح خطراً مدمراً عندما تغفل الأغلبية عن ممارسات الأفراد المغرضين، ويرددون في لحظة حماس ما يسمعونه بأذن الغضب لا بأذن العقل.

أخطر ما غيّر مسار الثورات في التاريخ وحرفها عن أهدافها، أفراد يقتنصون لحظات الحماس، هؤلاء هم من يسرقون بطولات الشعوب.

وكالات

437 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in رئيسي, سياسة.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments