أنقرة تحت رحمة بغداد .. 6 أوراق ضغط لوقف “إليسو”

اخبار العراق: مع تزايد مخاوف العراقيين من مواصلة حكومة الرئيس التركي، رجب إردوغان، استكمال أعمال سد إليسو، جنوبي شرق تركيا، وتخزين المياه فيه، مما يؤثر على حصة بلدهم المائية، فإن هناك أوراق ضغط يمكن لبغداد أن تمارسها على أنقرة وتدفعها إلى التوقف عن عمليات ملء السد بالمياه، وبالتالي إنقاذ العراقيين.

بالرغم من محاولة نظام العدالة والتنمية الضغط على البلد العربي بملف المياه، إلا أن هذا النظام سبق وأن رضخ للضغوط العراقية، إذ أمر إردوغان بوقف عمليات ملء السد بعد افتتاحه في فبراير 2018.

السد الذي وافقت الحكومة التركية على إنشائه في العام 1997 ولم تبدأ عملية بنائه إلا في بدايات عهد حكومة إردوغان في عام 2006، وجرى افتتاحه في فبراير 2018، يحرم العراق من أكثر من نصف كمية المياه التي تصل إليه عبر نهر دجلة، إذ تبلغ حصة العراق قبل عمل السد 20.93 مليار متر مكعب سنويا، ولكنها ستنخفض بعده إلى 9.7 مليار فقط.

ثمة مخاوف من أن أنهار العراق ستصير بلا ماء بحلول 2040، وأن مياه دجلة قد لا تصل من منبعها في تركيا إلى مصبها في العراق، فيما تشير التقارير الدولية إلى أنه في العام 2025 ستظهر ملامح الجفاف الشديد بوضوح في عموم العراق مع احتمالية تحول دجلة إلى مجرى مائي صغير.

نتيجة شح المياه، تؤكد الأمم المتحدة أن العراق خسر 40% من أراضيه الأكثر خصوبة، وربما يخسر المزيد، كما أن نحو 12 مليون عراقي يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيس للعمل والدخل باتوا مهددين بالبطالة، فيما تحذر منظمة الزراعة العالمية من أن نحو 1.6 مليون مزارع عراقي يحتاجون إلى مساعدة عاجلة وفورية.

حكومة إردوغان تقول إنها تصر على ملء السد، طمعًا في إنتاج 1200 ميجاوات من الكهرباء، غير أن المتخصصين الأتراك والمعترضين على بناء السد من منظمات دولية مثل وكالات الائتمان الأوروبية “السويسرية والنمساوية والألمانية”، يؤكدون أنه يمكن إنتاج الطاقة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية، فضلًا عن أن السد يؤدي إلى تشريد نحو 85 ألفا من سكان المنطقة التي يقام فيها، ويدمر مدينة “حصن كيفا” التاريخية، والغنية بالآثار والتي اعتبرتها منظمة اليونسكو الدولية منطقة تراثية.

السد يبعد 65 كيلومترا عن الحدود العراقية، ويمتد على طول 1820 مترا وبارتفاع 135 مترا، ويبلغ عرضه كيلومترين، ومساحة حوضه 300 كيلومتر مربع.

لكن ما هي أوراق الضغط العراقية التي يمكن استغلالها ضد حكومة أنقرة ومنعها من إتمام ملء السد؟ خصوصًا أنه لا يفيد الشعب التركي فعليًا، بقدر ما يبدو محاولة من إردوغان للضغط على العراق للحصول على النفط والتحكم في القرار السياسي لبغداد، فضلًا عن تحقيق مكاسب مالية للشركات التي يديرها رجال أعمال مقربون منه ومن قادة حزبه “العدالة والتنمية”.

في يونيو 2018، أكدت النائبة عن ائتلاف “دولة القانون” في العراق زينب الخزرجي، أن الحكومة التركية “تتعامل مع العراق وفق مبادئ الماء مقابل النفط”، وهو ما تم تحديدًا بعد الحظر الأمريكي على النفط الإيراني، إذ اتجهت أنقرة للعراقيين لاستيراد النفط منهم بدلًا من نفط إيران المحظور التعامل معه بقرار واشنطن.

النائبة أوضحت أنه يمكن للحكومة العراقية تقديم شكاوى دولية ضد حكومة إردوغان، خصوصًا أن هناك معارضة عالمية لإقامة السد، فقد سحبت وكالات الائتمان الأوروبية التمويل المقدر بنحو 2 مليار يورو لعمليات تشييد السد، لتجبر أنقرة على توفيرها بنفسها، فضلًا عن تهديداته بتعطيش وتشريد ملايين العراقيين.

الخزرجي قالت أيضًا إنه “يمكن لبغداد الضغط على أنقرة بطرد السفير التركي من أجل إعطاء حصة العراق المائية والابتعاد عن الاجتماعات والمؤتمرات التي لم تقدم لنا شيئا حتى كادت المحافظات العراقية تموت عطشا”.

يمكن للعراقيين الضغط على حكومة إردوغان بورقة العلاقات الاقتصادية التي تستفيد منها أنقرة، والشركات المقربة من الرئيس التركي، فحصة السوق العراقي من الصادرات التركية بلغت في العام 2017 نحو 6% من إجمالي صادرات أنقرة للخارج، وقدرت قيمة هذه الصادرات بنحو 9 مليارات دولار.

وأبرز ما تصدره تركيا إلى العراقيين: المنتجات الغذائية، والزراعية، ومواد البناء، والنسيج، وصناعة السيارات، والآلات، والمنتجات الكهربائية.

صادرات تركيا الغذائية إلى العراق بلغت في العام الماضي فقط 2.8 مليار دولار، وجاء البيض إضافة إلى الدقيق في مقدمتها، حيث حققا 306 ملايين دولار و 530 مليون دولار على التوالي، كما كانت بغداد أكبر مشتر للآيس كريم التركي بنسبة 16% وبقيمة 34.4 مليون دولار، إلى جانب استحوذ السوق العراقي على 11.4% من صادرات الصودا التركية بقيمة 152.6 مليون دولار و 3% من صادرات المياه المعدنية بقيمة 62.3 مليون دولار.

وبسلاح المقاطعة ستتضرر الشركات التركية، وهو ما بدا من تصريحات المسؤولين الأتراك عقب حظر بغداد استيراد بعض السلع الغذائية من أنقرة في الأسابيع الماضية، ففي منتصف يوليو الماضي قرر العراق حظر استيراد الدواجن من تركيا وهو ما كبد الشركات التركية خسائر نحو 300 مليون دولار.

رئيس جمعية اتحاد صناع اللحوم البيضاء ومربيها في تركيا “سعيد كوجا” أكد تضرر بلاده من قرار حظر استيراد الدواجن، وقال: “الشيء الذي ينتابني الفضول حوله في هذه الحادثة هو أن هل هذه حركة ضد تركيا أم أنها السياسة العامة في العراق”؟، مضيفا: “مبرر العراق في وقف الاستيراد هو أنها تشجع على الإنتاج المحلي ولكن لا يوجد نظام هكذا ولا يمكن زيادة الإنتاج في لحظة”.

بعد هذه الخطوة الجريئة من قبِل العراق، حاولت تركيا البحث عن بديل تورد إليه منتجاتها، فنحو 400 ألف طن كان يتم توريدها سنويًا إلى بغداد كمية ليست بالقليلة، وبحسب المسؤول التركي، ستتوجه أنقرة إلى الصين من أجل توريد كميات الدواجن الكبيرة إليها.

قال كوجا، “استهلاك الصين للدواجن يمثل نصف استهلاك تركيا، ويمكننا سد عجز بكين من اللحوم الذي يتسبب فيه لحم الخنزير ولكننا في مرحلة عقد اتفاقيات من أجل الحصول على تصاريح أكثر، ونأمل حل هذا الأمر أيضا”.

وبالرغم من محاولات تركيا إحلال الصين مكان العراق، إلا أنها ستواجه مشكلات عدة، أبرزها أنه لا توجد اتفاقيات بين أنقرة وبكين تسمح بتصدير منتجات الدواجن، ولذا يلجأ المصدرون الأتراك إلى عبور صادراتهم إلى بكين عبر كل من: هونج كونج وتايوان وفيتنام، ما يحملهم رسومًا إضافية ويقلل من مكاسبهم كثيرًا.

وفور توقيع عقوبات أمريكية على إيران في أواخر العام الماضي، سعت تركيا لأن تحتل مكان إيران كمصدر رئيس إلى العراق، إذ إن طهران كانت تصدر معظم السلع التي تستوردها بغداد؛ كما احتاجت أنقرة إلى العراقيين من أجل استيراد النفط.
هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا أكدت في تقرير لها أن العراق جاء في المرتبة الثانية في قائمة أكبر المصدرين لواردات نفط لتركيا خلال شهر أبريل الماضي بعد روسيا، إذ صدرت بغداد نحو 677 ألفا و274 طنا.

ويطرح بعض الخبراء “فكرة التصعيد العسكري” بتقديم شكاوى دولية ضد أنقرة، وهو ما تحاول حكومة إردوغان ألا يلجأ إليه العراقيون، “فما تفعله تركيا من ممارسات بحجب حصص المياه عن العراق والتحكم في مياه نهر دجلة ضد القوانين الدولية”، ما يعني أن تدويل القضية ليس في صف الأتراك، ويمكن أن يستند العراقيون في شكواهم إلى الأضرار التي يسببها السد، وهي تقدر بفقدان نحو 40% من الأراضي الزراعية حسب تقارير البرلمان العراقي.

كما يمكن تقديم شكاوى ضد وجود نحو 18 نقطة أمنية ومعسكرًا للجيش التركي في العراق بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني، ما يعني احتلال أراضي دولة أجنبية، فضلًا عن أن العناصر العسكرية التركية تقوم باعتداءات بشكل منتظم على الأراضي العراقية والمدنيين.

ويصل عدد الجنود الأتراك في العراق إلى نحو 4 آلاف جندي يتركزون في محافظتي دهوك والموصل، عبر “قاعدة بعشيقة” التي أنشئت في العام 1995 و”بامرني” التي أنشئت في العام 1997.

ورقة “الاحتلال العسكري” يمكن التحرك بها لتقديم شكاوى ضد المحتل التركي للأراضي العراقية، أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة.

كما يمكن للعراق منع أنقرة من التدخل في التعامل مع التركمان العراقيين، فحكومة إردوغان تتعامل دائما على أنها واصية على المواطنين التُركمان، وهو ما يمكن أن تمنعه بغداد، بمنع التعامل بين حكومة العدالة والتنمية والأحزاب التركمانية خصوصًا في كركوك، فضلًا عن منع الزيارات المشبوهة للمسؤولين الأتراك إلى المحافظة العراقية.

كذلك، فإن العراقيين بيدهم منع تدفق النفط إلى تركيا عبر خط أنابيب كركوك – جيهان، والذي ينقل النفط من كركوك في العراق إلى ميناء جيهان التركي، منذ العام 2014، وهو خط بني بشكل غير قانوني، إذ بناه الأكراد مستغلين حالة الانفلات الأمني، ما شكل أكبر استثمار للأتراك في كردستان بفضل حليف إردوغان، القيادي الكردي الانفصالي مسعود بارزاني.

وحاليًا، يتم نقل حوالي 400 ألف برميل من النفط العراقي يوميا من حقول كركوك، إلى المرفأ التركي ومنه إلى دول العالم، وهذا السلاح يمكن أن يستخدمه العراقيون ما يكبد حكومة إردوغان وشركاته خسائر هائلة.

وكالات

561 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in رئيسي, سياسة.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments