الاستخبارات والاضطرابات

اخبار العراق:

بشير الوندي

في كل مجالات الحياة هنالك الحقيقي والمزيف , هناك تجارة شرعية واخرى غير شرعيه , ادوية قانونية صالحة واخرى فاسدة غير صالحة , اموال شرعية وغسيل اموال , وغيرها كثير , وكذلك الامر مع التظاهرات , فهناك تظاهرات سلمية وطنية واخرى مدسوسة ومخترقة , هنا لابد من عين تميز بين الحقيقي والمزيف , وهي عين الاستخبارات التي من صلب واجبها حماية الشعب والمتظاهرين من الجواسيس والمحرضين والمجرمين وارباب السوابق والدعارة والمجون ومن استخبارات الدول ,وحتى بعض المنتفعين من الاحزاب الحاكمة.
——————————————–
مثلث الشعب السلطة الاستخبارات
——————————————–
الجهاز الاستخباري جهاز وطني مهمته درء مخاطر العدو ومنع اسقاط النظام , وفي مفهوم العلاقة بين , الجهاز الاستخباري والسلطة من جهة , والجهاز الاستخباري والشعب من جهة اخرى , فان الجهاز الاستخباري المحترف ليس مطية للسلطة , لكن مهمته في نفس الوقت هو الحفاظ عليها وعلى الدولة .

وحين ترتبك العلاقة بين الحاكم والمحكوم , سواء بسبب الفساد او الاستئثار او اي سبب آخر , فحينها يحصل الاحتقان في الشارع , وتُفتح ثغرة تنفذ منها مختلف الاجندات الداخلية والخارجية , فيكون موقف الاستخبارات اطلاق الكشافات وتكبير الصورة لقياس مديات مايحصل.
ان مايؤمن به الجهاز الاستخباري هو ان لكل بلد اعداء سواء تقليديون او جدد , وحين يضع الجهاز الاستخباري نفسه مكانهم , فمن الطبيعي ان يفكر في دعم اي جهد لحدوث البلبلة في بلد العدو , ومن ثم فان الاجهزة الاستخبارية ترى دوماً ان هنالك اطراف تستغل الاحتقان في البلاد , وتدفع الى الاضطرابات واسقاط الدولة , وهو امر لاينفي المطالب الحقيقية للمتظاهر , الا ان تجييرها لخدمة اهداف خارجية او حزبية داخلية يعني التآمر , وكشف التآمر منوط بالجهاز الاستخباري .
————-
مؤشرات
————–
ان اية اضطرابات هي مكان مهم لتواجد استخبارات الدول العدوه ودول الجوار , والجميع يسعى لاستثمار الازمة لصالحه , ويظهر ذلك جلياً من خلال عدة مؤشرات عامة تبرز مع بداية الاضطرابات في اي بلد :
1- التصعيد المستمر والمتواتر : بحيث ان اي هدوء نسبي يحصل , يجري تأجيجه سريعاً بسبب حوادث عارضة , او اغتيال ناشط , وهو مؤشر استخباري على وجود ايادٍ تعبث من وراء ستار وتسعى للتآمر والتأجيج.

2- التمويل : التظاهرات المطلبية المشروعة والتي ترفع شعارات مكافحة الفساد يكون مادتها هم الفقراء والعاطلون عن العمل والطلبة والعمال , ومعظم هؤلاء لايمتلكون اكثر من قوت يومهم , فحين تبرز الامدادات المالية , وحين تزداد اموال الحوالات في مكاتب الصرافة مع تصاعد الاضطرابات , وحين تنهال اللوجستيات على المتظاهرين , فهذا مؤشر على ان هنالك ممولون , يصرفون على مواقع ثابتة (لأشهر عديدة) من طعام , وملابس واغطية , وفعاليات , ونشرات , عدا عن الجيوش الالكترونية الداعمة , و كل تلك هي مؤشرات استخبارية تستدعي التدقيق , لذا ترى ان المتلاعبون بالعقول يكثفون صور تبرعات اهل الخير , والناقلين المتطوعين , والخبازة التي تخبز , واخرى تغسل ملابس الثوار !!مجاناً , ومتبرع يظهر وهو يوزع بطانيات بشاحنة نقل , لإيصال رسالة تبرر التمويلات .

3- المطالب المستحيلة والرفض لأية مبادرات : من المؤشرات الاستخبارية التي تقف عندها الاجهزة الاستخبارية هي , الشعارات الفضفاضة والمطالب الضبابية والرفض لأية مبادرة , واطلاق شعارات غير منطقية كإسقاط النظام , وهنا تصبح الاضطرابات ليست بمطالب مشروعة وانما برفع شعار يشترك فيه المتواجدون في الشارع مع العدو الذي يهدف هو ايضاً لإسقاط النظام .

4- التشكيلات المشبوهة : من المؤشرات الاستخبارية التي لاتخطؤها عيون الاستخبارات هي التشكيلات التي تتخذ صيغاً عسكرية والمنتظمة بواجبات محددة كفوج مكافحة الدوام , وتشكيل للهجوم والحرق , وآخر لقطع الطرق , وجهات لصنع المولوتوف , وغيرها .

5- التزامن : في كثير من الاحيان يعلن ناشطون عن مواعيد لفعاليات وشعارات او بث مواضيع او اشاعات في وقت واحد بشكل متزامن , وتشاركهم فيه في نفس التوقيت قنوات اخبارية , معروفة للاجهزة الاستخبارية بإرتباطاتها , في وقت يصر الجميع على عفوية الحراك .
كما ان هنالك الكثير من المؤشرات التي تخص بلد دون آخر , الا اننا نوهنا فقط الى المؤشرات العامة , ففي العراق ترى :
1- اصرار على تسقيط قيم الدين وشتم رموزه بشكل مركز .

2- توجيه التظاهرات ضد بلد جار وهو ايران بالذات بشكل مركز , مع تخويف المواطن من اي مسعى لطرد القواعد الامريكية , وهو امر يثير السخرية لتظاهرات تدعي انها مطلبية .

3- تظاهرات العراق غريبة في تقسيماتها , فهي شيعية فقط بمناطق شيعية , وهي تبرر للسنة عدم اشتراكهم , والغريب هنا ان ادوات التحريض في التظاهرات هي سنية بإمتياز ( قناة الشرقية , قناة دجلة , بالاضافة الى قناة الحرة الامريكية , قناة الحدث والعربية الوهابيتان ) عدا عن الكثير من زعامات الجيوش الالكترونية من المنطقة الغربية وناشطون مرتبطون بحزب البعث , فكل هؤلاء يحرضون ابن الناصرية فيما لايحرضون ابن الرمادي , ويظهرون الحرائق والدمار في مقرات الاحزاب الشيعية , بينما يظهرون الاعمار والنافورة الراقصة في الرمادي كإنجاز للساسة والاحزاب السنية , وهو مؤشر استخباري يظهر تناقضات خطيرة تؤكد وجود اياد تعبث في نسيج الشارع العراقي .

4- يجري استهداف الساسة الشيعة في تقسيم المناصب , ويطالبون برئيس وزراء لايكون حزبي , لكنهم لايقتربون مطلقاً من منصب رئيس الجمهورية الكردي او رئيس مجلس النواب السني , وهي وسيلة مخابراتية ترسل رسالة ان السياسي الشيعي هو الفاسد (او لنقل الفاسد الوحيد ) وباقي الساسة واحزابهم من باقي المكونات غير فاسدون وهذا توجه اخر يؤكد ان اقل مايقال عنه ان التظاهرات المطلبية قد سرقت من قبل اجهزة مخابراتية محترفة صارت تخطط المشهد والسيناريوهات .

5- كانت تجمعات ضخمة في التحرير وتزامن الامر مع مقتل البغدادي ولابد لداعش ان تنتقم بعمليات في مدن رخوة كالمدن العراقية والتظاهرات الشيعية كانت بزخم قوي والدولة مضطربة , ومع ذلك لم يحصل اي هجوم ارهابي على المتظاهرين , فمن منع داعش من استهداف التظاهرات؟!!!!

6- تمت دورات في عمان وتركيا بشعار “نريد وطن” واسماء المشتركين معروفة للاجهزة الاستخبارية كما تزامنت التظاهرات في لبنان والعراق , وكلاهما لم يحضرا مؤتمر البحرين الخاص بصفقة القرن .

ويلاحظ القاريء الكريم ان الجهاز الاستخباري المحترف , لابد ان يتعامل مع الاضطرابات كمؤشرات تحتاج الى ان يلج الى لب المشكلة من اولى بوادرها , يوماً بيوم , وساعة بساعة .
————————–
تقديرات استخبارية
—————————
ان الجهاز الاستخباري الناجح لابد ان تكون له قرون استشعار قبل حدوث الاضطراب , فالاضطرابات تبدأ بمخططات واجتماعات وتهيئة جماهيرية وتصعيد ولوجستيات ورسم سيناريوهات , فان كان الجهاز الاستخباري نائماً عن كل ذلك فهو جهاز فاشل.

فحين تظهر البوادر الملفتة والمؤشرات , يفترض ان تعمل الحكومات خلية ازمة يكون للاستخبارات العمل المحوري فيها لكشف خيوط مايحصل , فيجب ان يقوم الجهاز الاستخباري بالتركيز على:
1- حجم الاستياء العام : تحدد الاستخبارات مستوى التذمر والاستياء واين وصل, كم هي نسبة المتظاهرين , وماذا تشكل ( العراق اكثر من ٣٦ مليون مثلا , بغداد على الاقل ٦ مليون , والعدد في التحرير ١٥٠٠ شخص , ولو وصل لعشرة الاف او 20 الف في بعض الفعاليات فيقال عنها مليونية , وهو تلاعب بالارقام يراد منه القول ان لهم الحق في تشكيل الحكومة واسقاط من يشاؤون .

2-التنظيم : هل هو منسجم ام عشوائي ؟ كل الشعب ام فئة وفصيل معين ؟ لماذا الشعب في المناطق السنية والكردية غير متذمر ؟ والتذمر محدد جغرافياً في الناصرية والنجف وكربلاء ؟ هل العمليه شعبوية ام اذرع خارجية او جهات داخلية او صراع احزاب ؟ , كما ان هنالك مجموعات تتشكل بتخطيط محكم : مجموعة لحرق الاطارات , مجموعة لغلق الشوارع , مجموعة لغلق المدارس , مجموعة لصناعة المولتوف , وهذه اعمال اجرامية لعصابات لايمكن ان تعمل بالمجان .

3-الفكرة الثورية او الانقلابية : وهنا تتابع الاستخبارات نوع المطالب والتصعيد وترى انها مصرة على اسقاط النظام , وتعرف ان الاسقاط هنا لابعاد القوى الشيعية فقط من السلطة , فهم يعتبرون ساسة الشيعة عملاء لايران , واي ساسة سواهم هم ايقونات وطنية .

4- القيادة .الزعامات والممولين : لم تستطع التظاهرات ابراز قيادة موحدة من الشعب , فكل من هم على السطح هم واجهات لجهات سرية , لأن من يدير الشغب والفتنة هم غير اصحاب المطالب والشعور الوطني , ومن يحرض على العنف غير من يريد مستقبل لاطفاله .
———————————–
الاستخبارات عامل للتهدئة
————————————
بالطبع , فان الاجهزة الاستخبارية لاتتعامى عن سلبيات السلطة التي تؤدي الى تدهور الاوضاع في الشارع كأزمة الكفاءة وعدم انسجام الفرقاء السياسيين او استشراء الفساد , بل بالعكس من ذلك , فهي تحذر من تبعات القرارات الحكومية وتمنع عنف السلطة التي تتسبب بالنقمة الشعبية , وفي ذات الوقت هي تعمل على تنقية سوح التظاهر من المندسين والعملاء واجهزة المخابرات والاعلام المأجور المؤجج , كي تصبح ساحة التظاهر نقية ومتوازنة في طلباتها ومنسجمة ومنطقية من جهة , وفي ذات الوقت تشجع السلطات على الحوار مع الشارع , وهنا يصبح العمل الاستخباري عامل ردع للمخربين وعامل تنقية وتقارب بين الشعب والسلطة .
————————
تقصير استخباري
————————
بيّنا فيما سبق الدور المحوري الذي تلعبه الاجهزة الاستخبارية في كشف المخربين والمندسين وفق قواعد العمل الاستخباري , ولكن رغم مانسمعه من ان كثير من عناصر الاستخبارات اخترقت الساحات , لكن الحكومة لازالت عمياء , فلا تصوير , او تسجيل , من حقق مع زعامات عصابات مايسمى بافواج مكافحة الدوام او تابع من ظهرت صورهم بالمولوتوف , او من اعلنوا نيتهم اسقاط النظام – وهي كلها جرائم – فاين التحقيقات واين نتائجها واين الاعترافات واين تم متابعة التمويلات ؟؟ واين المتابعة الاستخبارية لرماة المولوتوف , كيف لم نسمع عن التحقيق مع قطاع الطرق لمعرفة مموليهم ومن ورائهم , كم مرة سمعنا عن ان الجهاز الاستخباري حقق مع مدون يهيج الشباب والصبية على ضرب القوات الامنية ؟؟ بصراحة وبكل وضوح لاشيء من ذلك على الاطلاق , وليس لقائل ان يقول انهم يعملون بالسر , لأن البلاد تحترق , ولو كانت هنالك جهود استخبارية فيجب ان تعرض الاعترافات على الرأي العام عبر شاشات التلفزيون , اما ان لاترى اي نتائج الى الان فهذا يطرح استفهامات عميقة للغاية !!!!!.

لاشك ان ٩٥ ٪ ممن هم في الشارع , هم اشخاص خرجوا لتحقيق مطالب وطنية , لكن اين الموسسة الامنية وعيون الاستخبارات من ال ٥٪ المكلفة باعمال عنف وشغب وايذاء الناس وتأجيج الفوضى والاضطرابات ؟ , بل ان الصمت والاكتفاء بالحلول الامنية – والتي كانت تقف احياناً موقف العاجز هي الاخرى – قد افقد المواطن ثقته بالاجهزة الامنية التي يراها قد تخاذلت في حمايته من العصابات التي تطرح مغالطة صورية مفادها ” ان المتظاهرون فقراء فأين التمويل الاجنبي الذي يدعيه المشككون ؟” .. انها حيلة مفضوحة , لان المدفوع لهم لتأجيج الوضع هم ليسوا من فقراء سوح التظاهر والعاطلين , وانما هم يتلقون التمويل في مكان اكثر امنآ واكثر راحة .

فمهمة الاستخبارات هم المحرضون المدفوع لهم , والممولون من اجهزة المخابرات , وان تخترق الطبقات العليا من المحرضين وتخترقهم وتوقع بهم وتفضحهم للرأي العام كي يرى الحقيقة , ومهمتها ان تكشف الكثير من الالاعيب في التمويل , فاحدى الدول ادخلت بضائع للعراق وعملت تنزيلات هائلة عليها لبيع البضائع وتمويل اذرعها .

ان من واجب الاستخبارات حماية الناس ليس فقط من الارهاب وانما من الاذرع الاجنبية والخونة والجواسيس والمندسين , الذين قاموا سابقا بتلك المهمة في تمويل تظاهرات الغربية وداعش , وحين فشل المال الاجنبي في مشروع داعش تحول الى جهلة الشيعة لدق اسفين يقول ان شيعة العراق يثورون ضد ايران وعملائها.

وفق هذه الشكوك , لابد من ان تستلم الاجهزة الاستخبارية ملف التظاهرات كاملا منذ اليوم الاول , فالحل العنيف خطا وانت تتعامل مع شعبك , لكن الحل الناعم من خلال الاستخبارات يجعل المندس في خطر ولا يستطيع ان يخفي نفسه بين الناس , فهنالك اسماء معروفة لابد من التحقيق معها شريطة مراقبتها مسبقاً بكل الطرق الفنية , لنعلم كيف اصبحت احوالهم من شهر تشرين الى الان , وكم استلموا اموال وكذلك الامر مع بعض الاعلامين المحرضين على العنف حيث يمكن معرفة اجورهم وكم يقبضون ومع من يتصلون في السفارات , حتى المراقبة للسفارات يمكن ان يكشف من يتردد اليها لياخذ التمويل.
———–
خلاصة
———–
كان لابد ان تعمل الاجهزة الاستخبارية وفق اختصاصاتها , فالاستخبارات الجنائية تقوم بالبحث عن الجريمة وعناصرها في التظاهرات , والاستخبارات الخارجية تبحث عن الاذرع الخارجية والاستخبارات الفنية ترصد الجهد الفني والذراع العلني يرصد النشاط في شبكات التواصل , وحينها تستطيع الاجهزة الامنية تفكيك اكبر شبكه عملاء ومندسين وجواسيس شهدها العراق , فالمال خليجي , والقيادة والسيطرة غربية , والتدريب في دول الجوار , والاذرع سنيّة , والادوات للاسف شيعية , والهدف إسقاط شرعية الحاكم الشيعي فقط لصالح لوبيات اقليمية ودولية , وللانصاف , فإنَّ المرجعية الدينية العليا هي الوحيدة في العراق التي ناصرت ودعمت ووجهت بدقة لتصحيح المسار وحماية المواطن السلمي الذي خرج بلا اجندة او مصالح لكنها لاتتدخل بأكثر من النصح ضمن ماتراه من مسؤولية وواجب شرعي , والله الموفق.

252 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments