السينما في العراق: تجارب فردية شابة تعمل بصمت

اخبار العراق: هناك جيل جديد من صانعي الأفلام العراقيين غالبيتهم من الشباب بدأنا نتلمس حضورهم عبر مشاركتهم في عدد من المهرجانات الخارجية، وما يجدر الإشارة إليه بهذا الخصوص أنهم تمكنوا بجهدهم الذاتي من غير أن يكون للمؤسسات الحكومية أي دور في وصولهم إلى المهرجانات، والأهم من ذلك أن أبواب المشاركات الخارجية لم تفتح أمامهم من قبل اللجان التنظيمية انطلاقا من معايير غير فنية على اعتبار أن العراق ساحة مفتوحة للصراعات والنزاعات الساخنة بين جماعات متطرفة مذهبية وقومية بالتالي سيفرز هذا المناخ قصصا درامية تصلح أن تكون مادة خام لمشاريع سينمائية.

ورغم أهمية هذه المسألة في حسابات المهرجانات الدولية ومنظميها، إلا أن المسألة لها بعد آخر يشير في حيثياته إلى بنية جديدة بدأت تتشكل في الممارسة الإبداعية لدى الجيل السينمائي الشاب وان هناك بدايات جديدة في الوعي بطبيعة الفن السينمائي بشكل عام وفي تقييم دور المخرج على وجه الخصوص بالشكل الذي يضعه في موقعه السليم ضمن الورشة الإنتاجية للفيلم بما يوسع من مساحة حريته في إعادة تركيب الواقع أمام الكاميرا.

أي متابع للمشهد الفني في العراق وخاصة ما يتعلق بالإنتاج السينمائي سيخرج بنتيجة لا خلاف عليها، ان مستوى الإنتاج من حيث الكم يكاد لا يذكر بالقياس إلى بلدان عربية أخرى مثل مصر أو المغرب أو لبنان، في مقابل ذلك هناك مواهب فردية تعمل بصمت من أجل أن تقدم نفسها بصورة ملفتة للنظر من حيث فهمها للفن السينمائي وطبيعة الموضوعات التي تشغل اهتمامها.

فمن الناحية الفنية نجدها تمتلك وعيا ازاء خصوصية الحقل السينمائي وما يشهده من تحولات في صياغاته السردية على مستوى الشكل خاصة في البلدان التي تقف في مقدمة الإنتاج العالمي. وهذه علامة مهمة تعكس تواصلا وتماهيا مع حيوية النتاج السينمائي خارج العراق.

المسألة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ونحن نتحدث عن الجيل الجديد من السينمائيين في العراق تتمحور في اتساع رؤيتهم حيث لم يعد الفيلم الروائي فقط يستحوذ على اهتمامهم وباتت أشكال الفيلم الأخرى مثل الوثائقي أداة فنية للتعبير عن تفاعلهم الحيوي مع واقعهم اليومي بكل ما يختزنه من مفارقات درامية انتجتها الحروب وباتت تلاحق الإنسان العراقي وترسم حياته ومصيره، وعلى ذلك بدأنا نشهد أفلاما تتوزع ما بين الروائي والوثائقي والروائي الطويل والفيلم الروائي القصير، وأفلاما تجمع بين الروائي والوثائقي، ولكل من هذه الأشكال السينمائية تقنيات خاصة يتطلبها زمن الفيلم ونوعية الأفكار التي تصلح ان يتناولها.

في ما يتعلق بالموضوعات التي يتم تناولها من قبل الجيل الجديد فإننا نجد قاسما مشتركا يجمعهم ويلقى لديهم قبولا وانشغالا في حكاياته وتفاصيله لا يخرج عن الواقع العراقي الراهن بكل ما يحمله من إشارات تتعلق بالحرب وتداعياتها المجتمعية، وتكاد هذه الأفكار أن تهيمن على مجمل أفلامهم، وهذا لا يحسب ضدهم بل يحسب لهم انطلاقا من أن السينما فن جماهيري وترتبط بعلاقة وثيقة مع الواقع اليومي بل هي أكثر الفنون تفاعلا مع الواقع والتزاما به كمعالجة فنية في تناول أو محاكاة الحياة الإنسانية.

هذا الجيل ارتبط عمره مع بداية التغيير السياسي الذي حصل في العراق عام 2003 بمعنى انه وجد وطنه محتلا من قبل قوات أجنبية، وكان شاهدا على جملة من التحولات العميقة في مجتمعه، منها على سبيل المثال الاقتيال الطائفي، سقوط نصف مدن العراق بيد داعش الإرهابي، تدمير مدن عراقية بكاملها أثناء عمليات تحريرها، سبي النساء العراقيات من قبل داعش وشيوع كل أشكال الخراب القيمي في مؤسسات الدولة والمجتمع، تفشي الفساد الإداري والمالي بالشكل الذي بات يهدد مستقبل الدولة ومصير البلاد، هذا بالإضافة إلى هيكلة البنى التحتية للاقتصاد الوطني بدءا بالزراعة التي كانت تحقق اكتفاء ذاتيا للبلاد وخروج اكثر من خمسة عشر ألف مصنع من الخدمة في مجموعها كانت تشكل عصب النتاج المحلي.

وسط هذا المشهد الوطني المرعب ولد هذا الجيل وهو يحمل في جعبته أحلاما ومشاريع سينمائية يحاولون فيها الاشتباك مع هذه التفاصيل وقد توفر في داخلهم إصرار على ان يقدموا نفسهم بشكل فني ينسجم مع ما يحصل من تحولات في العالم على مستوى الاسلوب والتناول، في تقديرنا كانت الصورة بملامحها التي أشرنا إليها سببا في ان تنال العديد من أفلامهم ما تستحقه من قراءات نقدية تثني عليها وعلى ما يمتلكه صانعوها من تطلعات فنية لتقديم أنفسهم كصانعي أفلام لها صلة وثيقة بزمن إنتاجها من حيث الأفكار والقصص.

في منتصف الشهر الماضي شهدنا أمسية في المعهد الثقافي الفرنسي في العاصمة العراقية بغداد حيث تم استضافة خمسة شباب عراقيين من صانعي الأفلام “مهند السوداني، أحمد الزيدي، ياسر كريم، مسلم حبيب، أحمد عبد” لأجل ان يتعرف عليهم الجمهور ويشاهد أفلامهم ويصغي إلى ما يفكرون به والطرق التي يسلكونها من أجل العمل والاستمرار.

الفيلم الأول حمل عنوان “الأنفاس الأخيرة” للمخرج مهند السوداني ويتحدث عن امرأة تبحث أثناء تحرير المدن من داعش عن طفلها الذي تحول إلى عنصر انتحاري بعد ان انخرط في صفوف تنظيم الخلافة. والفيلم الثاني للمخرج مسلم حبيب يمكن تصنيفه ضمن الأفلام الوثائقية، تناول فيه المخرج قصة طفل من الكُرد الفيليبين الذين ولدوا خارج العراق بعد ان تم تهجيرهم منه قبل العام 2003 فيتابع السرد السينمائي حلم هذا الطفل في أن ينخرط في التعليم والحياة داخل العراق بعد عودته مع عائلته إلى الوطن.

أما الفيلم الثالث للمخرج أحمد الزيدي فينتمي إلى نوعية الأفلام الروائية القصيرة، وينسج المخرج بنيته السردية في الفضاء الذاتي لمقاتلين اثنين يقفان في خندقين متقابلين بهدف كشف الصراع في داخلهما، الأول ينتمي إلى الجيش العراقي والثاني إلى داعش وبدا واضحا ان السياق السردي كان يذهب باتجاه تعميق الخيط الإنساني الواهي الذي قد يتجلى في مثل هذه المواجهات بين خصمين لدودين يسعى كل واحد منهما لقتل الآخر بعد ان شاء القدر ان يكونا في نفس المكان والزمان.

والفيلم الرابع للمخرج أحمد عبد يجمع من حيث الأسلوب ما بين الروائي والوثائقي حيث تدور الأحداث في منطقة سنجار أثناء وبعد اجتياحها من قبل داعش، وما رافق ذلك من تداعيات ونتائج خطيرة على الإيزيديين، ويأتي سرد الأحداث من خلال قصة أحد الأشخاص الذين تمكنوا من الهرب مع قطيع كبير من الأغنام بعيدا عن داعش.

أما الفيلم الخامس فينتمي من حيث النوع إلى الأفلام الروائية القصيرة وبتوقيع المخرج ياسر كريم، وهذا الفيلم يختلف تماما عن بقية الأفلام التي عرضت في هذه الأمسية لأنه عبارة عن أطروحة تخرج، قدمها المخرج لنيل شهادة الماجستير من قبل إحدى الجامعات الأوروبية، ومن هنا جاء اختلافه من حيث الموضوع والمكان والزمان عن بقية الأفلام، حيث يتناول قصة مؤلف موسيقي أثناء عملية تأليفه مقطوعة موسيقية فيرصد المخرج في سرده السينمائي الانفعالات التي تنتاب الموسيقي اثناء عملية التأليف.

يبدو من خلال قراءة الافكار التي تناولتها الأفلام أن لدى هذه المجموعة من المخرجين فهما عميقا لأهمية العلاقة ما بين السينما والواقع، بما يعني انهم لا ينظرون إلى شريط السينما باعتباره أداة للتسلية والمتعة السهلة التي ينتهي تأثيرها بعد انتهاء الفيلم، بقدر ما كانت المتعة لديهم تذهب باتجاه تأكيد حضورهم في الشكل والمعالجة الفنية عبر تعميق الاحساس بأهميته بأسلوبية التناول وهذا يمكن قراءته في الإيقاع، وحركة الكاميرا وكيفية تعاطي السرد مع الزمن.

اجمالا فإن معظم الأفلام ابتعدت عن نمطية المعالجات في السرد السينمائي الأفقي لمسار الحكاية وهذا يعكس طريقة الفهم لدى هذه المجموعة في رؤية الواقع بالشكل الذي لا ينساقون فيه إلى عملية استنساخ حركته، إنما التعبير عن هذه العلاقة في إطارها الدرامي بما تفرضه العلاقات وفق منطقها الدرامي.

وكالات

487 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in رئيسي.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments