الموظفون الفضائيون.. وجه آخر للفساد

أخبار العراق:

عبدالله الأيوبي

يواجه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عقبة معقدة صعبة التفكيك في مسعاه لمحاربة آفة الفساد التي تضرب مفاصل الدولة العراقية منذ عدة سنوات، وتحديدا منذ أن تسلم قادة العراق الجدد مقاليد الحكم إثر إسقاط القوات الأمريكية والمتحالفة معها نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 2003، هذه العقبة الكأداء تتمثل في تطهير مفاصل الدولة من ظاهرة ما يسميه العراقيون بــالفضائيين، أي الموظفين الوهميين الذين يتقاضون راتبين أو ثلاثة رواتب من المؤسسات الحكومية، أو المتوفين منذ عدة سنوات، هذا الشكل من أشكال الفساد كفيل بفرملة عجلات أي حكومة عراقية تبدي الرغبة أو العزيمة في إصلاح هذه الأوضاع التي تنعكس سلبا على المشاريع الخدمية وعلى حياة المواطن العراقي المعيشية.

ظاهرة الفساد هذه التي يعاني منها العراق كبيرة جدا وتتركز في العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية الرئيسية مثل وزارات التجارة والصحة والدفاع والنفط والبلديات وهيئة الحشد الشعبي والداخلية، إذ يصل عدد الموظفين الوهميين الفضائيين فيها إلى نحو 200 ألف، ومن بين ستة ملايين عدد موظفي الدوائر الحكومية، هناك ما يقارب الــ250 ألف موظف فضائي يكلفون ميزانية الدولة العراقية مبالغ تصل إلى 18 مليار دولار سنويا، بحسب ما أشار إليه أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني، وهو ما أكده أيضا عضو اللجنة المالية في العراق جمال أحمد كوجر.

هذه الآفة الخطيرة من الفساد تجدها في كثير من الدول حين تغيب الرقابة الحقيقية على عمل الأجهزة الحكومية وتنعدم الآليات الصحيحة عن تقصي ورصد أوجه صرف الأموال العامة، وما ظاهرة الموظفين الفضائيين إلا شكل من أشكال آفات الفساد في عدد من الدول، ففي زيمبابوي على سبيل المثال، وفي مسعى من الحكومة في هذا البلد الإفريقي للحد من تفشي ظاهرة الموظفين الفضائيين، بحسب التعبير العراقي، بمؤسسات الخدمة العامة، لجأت الحكومة، بحسب ما ذكرته صحيفة هيرالد المحلية، إلى استخدام بيانات الاستدلال البيولوجي (وهو نظام اعتمدته سلطات زيمبابوي بالتعاون مع البنك الدولي) حيث أظهر هذا النظام أن هناك أكثر من 10 آلاف موظف شبح كانوا يتقاضون رواتبهم بانتظام من دون أن يؤدوا أي عمل من الناحية الفعلية، ونجحت حكومة هذا البلد في وقف رواتب هؤلاء الموظفين الوهميين.

معركة مواجهة آفة الموظفين الفضائيين في العراق، هي جولة واحدة من الجولات المطلوب من الحكومة العراقية أن تخوضها لمواجهة الآفة الكبرى، وهي آفة الفساد التي تسببت في تفشي البطالة بين الشباب العراقيين وأوصلت الأوضاع المعيشية لنسبة كبيرة من أبناء الشعب العراقي إلى درجات دنيا لم يعهدها الشعب، ناهيك عن تدني مستوى الخدمات وانهيار البنية التحتية، في بلد تجاوز عدد سكانه الأربعين مليونا بقليل، لكنه يسبح على ثروات طبيعية هائلة جدا، في مقدمتها الثروة النفطية التي تشير الأرقام الرسمية العراقية إلى تصدير كميات بلغت إيراداتها العام الماضي فقط مبلغا تجاوز الــ78 مليار دولار.

صعوبة التخلص من آفة الموظفين الفضائيين تكمن في أن هذه الآفة هي جزء من منظومة الفساد العامة التي ابتلي بها العراق، بسبب فساد القوى السياسية التي تقود وتشارك في العملية السياسية، فالدولة العراقية ليست مؤسسات مستقلة عن سيطرة، بل وسطوة الأحزاب ذات الانتماءات السياسية والعقدية المختلفة، وفي مقدمتها الأحزاب ذات الأيديولوجيا الدينية التي تمثل العمود الفقري للهرم السياسي في العراق، وهي في الواقع من يتحكم في مفاصل الدولة العراقية، وبالتالي فإن هذه الأحزاب مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تفشي ظاهرة الفساد وعن تضخم أعداد الموظفين الفضائيين في مختلف مفاصل الدولة العراقية.

هذه القوى التي تتحكم في دفة الدولة العراقية، هي من حيث الواقع العملي تمثل رأس الدولة غير المعلن، فعلاوة على أن قيادات مؤسسات الدولة العراقية مشكلة من هذه الأحزاب، فإن هذه القوى تسير المؤسسات وفق توجهاتها السياسية والعقدية وليس وفق المصلحة الوطنية العراقية التي يجب أن تكون بمثابة البوتقة التي تحتضن مصالح جميع المواطنين العراقيين، لهذا تفشت ظاهرة الموظفين الفضائيين، هذه الحالة ينطبق عليها المثل الإنجليزي المشهود الذي يقول: السمكة تتعفن من الرأس إلى الأسفل.

رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي أعلن منذ توليه رئاسة الوزراء قبل حوالي… عزمه على محاربة الفساد، سواء من خلال السيطرة على المنافذ الحدودية، أو من خلال وضع حد لظاهرة الموظفين الفضائيين ومن أجل تحقيق ذلك فيما يتعلق بهؤلاء الموظفين هناك اتجاه لتوطين الرواتب، من خلال تحويلها إلى البنوك من خلال فتح حساب خاص بالموظف، وليس تسلمها من الدائرة التي يعمل بها الموظف نفسه، لكن هل بمقدور هذه النية الحسنة أن تواجه سطوة الرؤوس المتحكمة في مفاصل الدولة العراقية والمستفيدة من الرواتب المزدوجة للفضائيين؟ لا نريد أن نحكم مسبقا، لكن نتمنى للعراق الشقيق أن ينجو من آفة فساد أبنائه.

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

278 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments