بعض صفات الأطباء

اخبار العراق: كتب ريسان الفياض..

سنذكر في هذه المقالة طرفاً من الصفات المندوبة للمنشغلين بصناعة الطب من خلال وصفٍ مثير لصورة ( تمثال) أول وأقدم الأطباء الاغريق (اسقيليبيوس) من خلال ما ذكر المؤرخ الطبي العربي الكبير ( ابن أبي أصيبعة) في كتابه الموسوعي ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ) نقلا عن عن الطبيب الاغريقي الشهير (جالينوس) الذي قدم وصفاً مثيراً لصورة الطبيب الاغريقي الأول ( اسقيليبيوس) الذي حذق في الطب الى درجة دفعت الاغريق الى تأليهه والاستشفاء بقبره وايقاد القناديل عليه

وهذه الصفات نلخصها في نقاط نستشهد على كل نقطة منها بوصف جالينوس وتفسيره.

1- العفة والنضوج وكبر السن :
فيما يتعلق بالعفة فهو أمر مفروغ منه ليس في مهنة الطب فحسب بل في المهن جميعاً ، ولكن وجودها في المهنة الطبية أمر حتمي وذلك لاطلاع الطبيب على أسرار البشر وعوراتهم أكثر من غيره ، وأما كبر السن والنضوج فهو مفروغ منه كذلك لأن المهنة الطبية تقتضي سنيناً أطول في دراستها من بقية العلوم ، ناهيك عن سنوات أخرى يقضيها الطبيب في التخصص ، مما يجعل سنين دراسته في أفضل الأحوال لا تقل عن عشر أعوام. ، اذ يقول ابن أبي أصيبعة فيما ينقل عن جالينوس :

( قال جالينوس: وأما صورته فصورة رجل ملتح متزين بجمة ذات ذوائب، ومما يبحث من أمر السبب في تصويره ملتحياً وتصوير أبيه أمرد، فبعض الناس يقول إنه صور وصيغ على هذه الحال، لأنه في وقت ما أصعده اللَّه إليه كان كذلك، والبعض قال إن السبب في ذلك أن صناعته تحتاج إلى العفة والشيخوخة).
كما يقول في موضعٍ آخر واصفاً عصا اسقيليبيوس :
( ويصورآخذاً بيده عصاً، معوجة ذات شعب، من شجرة الخطمي فيدل بذلك على أنه يمكن في صناعة الطب أن يبلغ بمن استعملها من السن أن يحتاج إلى عصا يتكئ عليها) وقد يبدو الوصف هنا مبالغاً فيه ، ولكنه يشير بشكلٍ أو آخر الى ما ذكرناه آنفاً من حاجة الطبيب لوقتٍ طويل في تعلم مهنته.

2- التفلسف :
ويقصد به هنا – حسب رأي- حب الحكمة والمعرفة ، فالفلسفة مصطلح مشتق من ( فيلو: وتعني الحب ) و ( سوفيا: الحكمة) ،
فالطبيب في توقٍ دائم للمعرفة ، وينبغي أن يمتاز بغزارة العلم ورسوخه ، وهذه صفة تنقرض مع الزمن نظراً لاقبال الطلبة وتنافسهم على حوز الدرجات الأعلى في التقييم الجامعي دون التفاتٍ حقيقي الى ذات الحكمة والمعرفة الا من رحم ربي ، ويستدل جالينوس على ذلك بأن اسقيليبيوس كان ( قائماً متشمراً مجموع
الثياب، فيدل هذا الشكل على أنه ينبغي للأطباء أن يتفلسفوا في جميع الأوقات).

3- اتقان الفنون الكثيرة المتعددة للطب :
ويستدل (جالينوس ) على ذلك من صفة عصا اسقيليبيوس ، اذ يقول :
(وأما أعوجاجها وكثرة شعبها فتدل على كثرة الأصناف والتفنن الموجود في صناعة الطب). فالطب لعمري علمٌ وفن ، وهو علمٌ جامع تجد في خمائله مزيج شذى العلوم الطبيعية وأريج العلوم الانسانية ، ناهيك عن قسطٍ وافرٍ من الجمال في فنونه التشخيصية والعلاجية ونفائسه المعرفية كذلك.
والطبيب هو بيضة الميزان في الحقل الطبي ينبغي أن يلم بكافة المهارات التطبيبية والتمريضية والصيدلانية كذلك ، اذ لن يعفيه علمه الغزير من زرق مريض بالابرة ولا من شق خراج بالمشرط ولا يعذر ان جهل جرعة دواء، ومن ثم لا يليق به الا اتقان الفنون الكثيرة المتعددة للطب ، ولا يشفع للطبيب المختص تقوقعه داخل حقل تخصصه.

4- الذكاء وحدة النظر والسهر من أجل المعرفة :
ويستدل جالينوس على ذلك من تزيين عصا اسقيليبوس بالتنين ، اذ يقول : (ولن نجدهم أيضاً تركوا تلك العصا بغير زينة ولا هيئة، لكنهم صوروا عليها صورة حيوان طويل العمر، ملتف عليها وهو التنين، ويقرب هذا الحيوان من اسقليبيوس لأسباب كثيرة، أحدها أنه حيوان حاد النظر، كثير السهر، لا ينام في وقت من الأوقات، وقد ينبغي لمن قصد تعلم صناعة الطب أن لا يتشاغل عنها بالنوم، ويكون في غاية الذكاء ليمكنه أن يتقدم فينذر بما هو حاضر، وبما من شأنه أن
يحدث) . ويعضد جالينوس هنا رأيه بقول ( أبوقراط) : ( إني أرى أنه من أفضل الأمور أن يستعمل الطبيب سابق النظر، وذلك أنه إذا سبق فعلم وتقدم، فانذر المرضى بالشيء الحاضر مما بهم، وما مضى وما يستأنف) .
ولا أرى كلاً من أبقراط وجالينوس قد أرادا من قولهم هذا سوى القدرة على التشخيص وعلى التكهن بحالة المريض الصحية المستقبلية والتي ندعوها في علمنا الحديث بالبرغنوزا ( prognosis) وكلا القدرتين يحتاجان للمعرفة والذكاء وحدة النظر ، والمعرفة تحتاج الى الجد والسهر وبذل الجهد .

5- المرح ( الانصراف عن الحزن) :
ويستدل جالينوس بذلك بوجود اكليل غار على رأس اسقيليبيوس ، وهذه الشجرة في اعتقاد الاغريق تذهب الحزن ، يقول : (وإذا صوروا أسقليبيوس جعل على رأسه إكليل متخذ من شجر الغار، لأن هذه الشجرة تذهب بالحزن، ولهذا نجد هرمس إذ سمي المهيب كلل بمثل هذا الإكليل، فإن الأطباء ينبغي لهم أن يصرفوا عنهم الأحزان كذلك كلل اسقليبوس بأكليل يذهب بالحزن) .
وهذه الصفة الأخيرة ينبغي أن تلازم الطبيب ، وذلك لكثرة المشاهد المأساوية التي يعايشها في يوميات الممارسة الطبية من ألم المرضى أو حزن ذويهم ، كذلك لما لصفة المرح من طاقة ايجابية تنتقل الى المريض وذويه فتكون عونا على الشفاء وشداً من أزره في معركته مع الداء.
هذه الصفات وغيرها تهيء الطبيب أن يكون في مركزه المتقدم لخدمة البشرية المحتاجة اليه ، فالكل يحتاج الى الطب والأطباء ، ولهذا –

كما يقول جالينوس) :
( وإذا صوروا ذلك التنين جعلوا بيده بيضه، يومون بذلك إلى أن هذا العالم كله يحتاج إلى الطب، ومثال الكل مثال البيضة).

624 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in رئيسي, مجتمع.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments