“بي كا كا” في سنجار.. دولة داخل العراق!

اخبار العراق: لم تعد الوعود الحكومية بإعادة النازحين إلى مناطقهم في العراق، وخاصة محافظة نينوى، تعني الكثير لـ”خديدا خدر”، وهو نازح إيزيدي من قضاء سنجار، على بعد 120 كم شمال غرب مدينة الموصل، مركز المحافظة.

أكمل “خدر” (40 عاما) 5 سنوات في النزوح، بعيدًا عن منزله في حي النصر وسط سنجار، الذي تركه عقب سيطرة داعش” الإرهابي على القضاء، في 3 أغسطس/آب 2014، ويعيش حاليًا مع 6 من أفراد أسرته بمخيم “جم مشكو” في زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان في شمال العراق، الذي يضم مئات العائلات الإيزيدية النازحة.

قال خدر “نزحت من سنجار مع دخول داعش إلى القضاء، ولجأت للسكن بمدرسة في دهوك مع عائلات أخرى، وخلال عمليات استعادة القضاء، في 2015، علمت بأن منزلي تعرض للقصف ودُمر بالكامل”.

وأضاف، “أوضاعنا مأساوية للغاية، الأمراض متفشية بين نزلاء المخيم، الخدمات معدومة، سندخل الشتاء السادس ونحن في مخيمات النزوح، لا أمل لنا بالعودة إلى سنجار ما دامت مجاميع مسلحة، أبرزها بي كا كا (الإرهابية)، تفرض سيطرتها هناك”.

عرقلة عودة النازحين
المعاناة ذاتها يكابدها 300 ألف نازح من قضاء سنجار، أغلبهم من الأقلية الإيزيدية، لا يزالون يعيشون في مخيمات بإقليم كردستان في شمال العراق ونينوى، بينما لجأ عدد منهم إلى تركيا وسوريا، وأعداد كبيرة إلى أوروبا.

وتعيش في قضاء سنجار أغلبية إيزيدية، إضافة إلى كرد وعرب.

وتتصاعد الأزمة الإنسانية في القضاء مع تواجد منظمة “بي كا كا” الإرهابية فيه، وهو ما أكدته الجهات الحكومية والتشريعية المحلية والاتحادية، فضلا عن منظمات حقوقية.

وقال مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة أهلية)، مصطفى سعدون، إن “الإيزيديين ما زالوا يُعانون من صعوبة الحياة في مخيمات النزوح والعيش في الجبال منذ 5 سنوات، في ظل تقصير حكومي كبير تجاههم”.

وتابع، “80 بالمئة أو أكثر من قضاء سنجار مُدمر، كما أنه منطقة متنازع عليها، وهذا أحد الأسباب التي تمنع عودة النازحين إليه، فضلا عن تعدد الإدارات المحلية وغياب سلطة الدولة هناك”.

واستطرد سعدون، “300 ألف إيزيدي تقريبًا ما زالوا نازحين خارج سنجار، بينهم 250 ألف بإقليم كردستان في شمال العراق، وعدد كبير منهم هاجروا وطلبوا اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي”.

واجتاح “داعش” سنجار في 2014، وسيطر عليه حتى تم طرده منه في 2015 على أيدي “البيشمركة”، وهي قوات إقليم كردستان في شمال العراق، بدعم من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة.

واختطف “داعش”، في 2014، حوالي 6 آلاف إيزيدي، بينهم نحو 3 آلاف امرأة وفتاة اتخذهن “سبايا” للاستعباد الجنسي، حسب مسؤولين عراقيين.

ولا يزال نحو 3 آلاف إيزيدي مفقودين، أغلبهم نساء وأطفال، رغم إعلان بغداد، في ديسمبر/كانون الأول 2017، النصر على “داعش”، واستعادة الأراضي التي سيطر عليها، وتبلغ ثلث مساحة العراق.

خطف وقتل للعرب
معاناة النزوح لا تقتصر على السكان من الإيزيديين، فأهالي سنجار العرب يواجهون المأساة ذاتها، إذ يعيش آلاف العرب، وخاصة من عشيرتي “الجحيش” و”البومتيوت”، بمخيمات النزوح في نينوى ومخيم الهول في الجارة سوريا، فيما نزح عدد كبير منهم إلى الموصل.

وارتُكبت جرائم قتل وإبادة بحق السكان العرب، ولاسيما في القرى العربية التابعة لناحية الشمال.

واختطفت فصائل إيزيدية، تابعة لـ”بي كا كا”، صيف 2017، عشرات المدنيين من القرى العربية في ناحية القيروان، عقب انتهاء عمليات التحرير من جانب القوات العراقية، ولا يزال مصيرهم مجهولًا.

ويصعب على النازحين العرب العودة إلى سنجار، حيث تخشى العشائر تعرضها لجرائم قتل وإبادة على أيدي إرهابيي “بي كا كا”، في إطار مخطط للتغيير الديموغرافي.

بعلم حكومة بغداد
ولا يتسبب تواجد المنظمة الإرهابية في سنجار بأزمة إنسانية فحسب، بل يُعرض أيضًا الأمن الوطني العراقي للخطر، وهو ما حذر منه مسؤولون ونواب ومراقبون عراقيون.

علي المتيوتي، وهو نائب سابق عن نينوى ينحدر من سنجار، قال إن لـ”بي كا كا” أطماعا إقليمية في سنجار تتمثل بمحاولة جعله مرتكزا لامتداد خطوط إيران عبر العراق باتجاه سوريا وصولا إلى البحر المتوسط”.

وتابع المتيوتي، “بي كا كا يفرض سلطته على أجزاء واسعة من سنجار بعلم الحكومة العراقية.. عناصر بي كا كا تنفذ عمليات حفر وتنقيب في جبل سنجار لا يُعلم هدفها”.

وترفض الحكومة الاتحادية وجود أية قوة أجنبية على أراضيها، وبينها سنجار، وأعلنت مرارا رفضها اتخاذ “بي كا كا” من العراق منطلقًا لتحركاتها التي تستهدف الجارة تركيا.

وعُقدت اجتماعات عديدة بين الحكومتين التركية والعراقية، للتعاون في الملف الأمني عامة، ولاسيما إنهاء تواجد المنظمة الإرهابية في العراق.

وشدد المتيوتي على أن “وضع العرب في سنجار مقلق للغاية، خاصة أن بي كا كا مارس حملة تغيير ديمغرافي واسعة في القضاء استهدفت العرب”.

واستبعد “وجود حلول قريبة لإنهاء أزمة سنجار، كما في ناحية جرف الصخر شمالي بابل.. أتوقع أن تتحول سنجار إلى بؤرة صراع مستقبلية.. حكومتا بغداد وأربيل لا توجد لديهما نوايا حقيقية وجادة لحل مشكلة سنجار حاليا”.

إداريًا، يتبع سنجار محافظة نينوى، ويتكون من مركز القضاء وناحيتي الشمال (سنون) والقيروان (بليج).

وعقب الغزو الأمريكي للعراق، في 2003، أصبح القضاء ثاني أهم المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، بعد كركوك، الغنية بالنفط.

وقبيل اجتياح “داعش”، في يونيو/حزيران 2014، حاولت سلطات أربيل مرارا ضم سنجار إلى الإقليم، ثم توقفت تلك المساعي بسيطرة “داعش” على الموصل، ثم ضم مناطق عديدة، بينها سنجار.

منطقة آمنة برعاية دولية
حسب نواب، فإن سيادة الدولة العراقية معدومة تماما في سنجار، فالقضاء محتل من منظمة إرهابية أجنبية، ما يضفى على أزمته بعدا إقليميا ودوليًا.

ودعا قائممقام (حاكم) سنجار، “محما خليل”، في 13 أغسطس/آب الماضي، إلى إنشاء منطقة آمنة تشرف عليها الولايات المتحدة وحكومتا بغداد وأربيل، للتخلص من منظمة “بي كا كا” الإرهابية.

وقال خليل، في بيان، إن “إنشاء المنطقة الآمنة في سنجار سيشجع الإيزيديين على العودة”.

وشدد على أن “بي كا كا يمارس الخطف ويفرض الإتاوات، ويحاسب المخطوفين لديه بصورة تعسفية دون محاكمات أمام قوات الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي”.

وأفاد بأن “سنجار تحوّل إلى مصدر لتمويل المنظمة الإرهابية ولتزودها بالأسلحة”.

دعم لـ”بي كا كا”
“الدعوة إلى إنشاء منطقة آمنة بحماية دولية ربما تشجع أقليات أخرى على طرح الحل ذاته، وبالتالي الدخول في صراعات جديدة”، حسب غانم العابد، وهو ناشط سياسي موصلي.

وتابع العابد، “استُنفدت كل السبل لإخراج بي كا كا من سنجار، وبدأت مطالبات بمنطقة آمنة؛ ما يعني أن قضية سنجار قد يتم تدويلها، بعد رفض المنظمة الانصياع لقرار مجلس نينوى (بالخروج من المحافظة)، بل وتهديدها بمنع أي عضو من أعضاء المجلس الموقعين على قرار طردهم من دخول سنجار”.

ومضى قائلا إن “جهات محلية لها سلطة أعلى من سلطة الحكومة العراقية تدعم وجود المنظمة في سنجار”.

واستطرد، “بعد احتكاك الجيش العراقي وبي كا كا، في (مارس) آذار الماضي، الذي تطور إلى مواجهة مسلحة قُتل وجُرحى فيها جنود، جلست الحكومة العراقية تتفاوض مع المنظمة وكأنها دولة داخل بلدنا، ولم تستخدم معها قوة السلاح، باعتبارها منظمة إرهابية على أرضنا، مثل داعش”.

وحذر من أن “المطالبة بمنطقة آمنة لسنجار ستفتح الباب أمام مطالبات مماثلة لمناطق أخرى، مثل سهل نينوى، حيث الأقلية المسيحية والإيزيدية، في وقت تشهد فيه المنطقة خلافات كبيرة؛ بسبب سيطرة الحشد الشعبي (قوات شيعية عراقية مقربة من إيران)”.

وجند “بي كا كا” مقاتلين عديدين من المكون الإيزيدي تحت أسماء متعددة، منها ما يتبع له مباشرة، ومنها ما يتبع شكليا “الحشد الشعبي”، لكن فعليا يتبع المنظمة الإرهابية.

كما ضمت مجاميع “بي كا كا”، مؤخرا، مقاتلين عربا من الموالين لسيطرة المنظمة.

وتفرض قوات “بي كا كا” سيطرة كاملة على القضاء، وتعمل تحت إمرتها ميليشيات إيزيدية منخرطة في “الحشد الشعبي”، وتُسمى بـ”قوة حماية سنجار”.

كما تنتشر في القضاء قوات “الفرقة 15” بالجيش العراقي وقوات الشرطة المحلية، لكن لا تمتلك سلطة أمنية على القضاء ولا يمكنها العمل خلافًا لأوامر ورغبة المنظمة والقوات التابعة لها.

دعوة لإنهاء الاحتلال
مجلس محافظة نينوى (الجهة التشريعية الأعلى) أصدر قرارات عديدة طالب فيها بإخراج مسلحي “بي كا كا” من العراق.

وقال نائب رئيس المجلس، نور الدين قبلان، إن “تواجد مسلحي منظمة بي كا كا الإرهابية في سنجار يمثل احتلالا واضحا لإحدى مناطق العراق”.

وأردف: “سنجار مسلوبة الإرادة ولا توجد فيها سلطة مدنية، وعلى السلطات الاتحادية التدخل وإخراج تلك القوات من القضاء”.

وشدد على أن “بقاء تلك المجاميع يمثل مصدر قلق وعدم استقرار وتهديد للأمن العراقي، ويعرقل إعادة النازحين وفرض سلطة الدولة المدنية في القضاء”.

وفرضت “بي كا كا”، العام الماضي، إدارة مدنية من دون علم السلطات العراقية المركزية، وخلافًا لرغبة حكومة نينوى المحلية وحكومة إقليم كردستان العراق.

ووصف قبلان إدارة “بي كا كا” المحلية بأنها “إدارة باطلة غير شرعية، كونها جاءت خلافًا للقوانين العراقية والطرق الدستورية، فضلًا عن فرضها من جانب منظمة إرهابية أجنبية محتلة للقضاء”.

اتفاق بين بغداد وأبيل
حسب كفاح محمود، وهو كاتب وباحث سياسي كردي، فإن “جهات سياسية تمتلك فصائل وأذرع مسلحة في الحشد الشعبي تدعم تواجد بي كا كا في سنجار، لاستهداف الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركيا”.

وأكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أكثر من مناسبة، أن أنقرة لن تسمح بتحول سنجار إلى قاعدة لمسلحي “بي كا كا”، وستواصل عملياتها العسكرية ضدهم في القضاء وسوريا.

وأضاف محمود، “الدعوات المطالبة بتدويل قضية سنجار غير قابلة للتطبيق حاليًا، والمشكلة تكمن في أن بعض الأطراف السياسية في بغداد وأذرعها المسلحة تدعم وجود بي كا كا في القضاء”.

ورأى أن “حل مشكلة سنجار يتوقف على اتفاق جاد وحقيقي بين بغداد وأربيل لإخراج مجاميع بي كا كا والجهات التابعة لها، ثم العمل على تطبيق المادة 140 من الدستور (معالجة ملف المناطق المتنازع عليها)، بعد إدارة القضاء أمنيًا بصورة مشتركة بين قوات الجيش والبيشمركة”.

واعتبر أن “الأجواء اليوم مناسبة لاتفاق بين حكومتي بغداد وأربيل لإنهاء مشكلة سنجار، بما يضمن إعادة الاستقرار وإعادة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم”.

وحذر محمود من أن “أي حل خلاف ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والمشاكل وفرض الأجندات الأجنبية على حساب أهالي المنطقة”.

وكالات

41 عدد القراءات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن