تجريم شتم الرسول

زياد الدريس

إعلان المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تندرج ضمن حرية التعبير، وبالتالي يتم تجريم فاعلها، أثار القرار المفاجئ الانتباه وجدّد الجدل الغربي القديم حول الموقف من الرموز الدينية والعلاقة مع المقدس. ذلك الجدل الذي اشتعل خصوصاً بعد الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للنبي الكريم، وما أعقبها من أعمال عنف قام بها مسلمون ضد شاتمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها رواجاً حادثة الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية التي احتضنت الرسومات المسيئة. وقد تسنّى لي أن أكون قريباً من الحدث، مكاناً إبّان إقامتي في باريس، ونقاشاً بداعي عملي في منظمة اليونسكو، التي دعت إلى جلسة نقاش عن تأكيد الحق في حرية التعبير.

وقد تحدثتُ في تلك الجلسة النقاشية عن أهمية النظر إلى زاويتين متضادتين لكنهما يكفلان التوازن في الأمر وتخفيف الاحتقان، وأعني بهما: حق (حرية التعبير) وحق (الاحترام). وقلت في كلمتي تلك: “إذا كان الكل بات مؤمناً بخرافة الحرية المطلقة، وأنه مهما بلغت درجة التسامح والتعايش وقبول التنوع في المجتمعات الليبيرالية فإن للحرية (المطلقة) حدوداً، لا تستطيع هذه الأدبيات المثالية تجاوزها. هكذا، فإن من باب أولى أن نتوافق على أن لحرية التشاتم حدوداً يتحول عندها العنف القولي إلى عنف فعلي”. ثم قلت: “من جانب آخر، فإننا بحاجة أن نعيد تعريف (العنف) الذي يجب بالتالي تجريمه. فهل العنف الحسي هو المجرّم فقط، أم أن العنف اللفظي – الشفوي هو أيضاً ما ينبغي تجريمه بمقتضى ما سيؤدي إليه من عنف حسي – جسدي سيقع لاحقاً؟ هنا تساؤل ينبغي أن يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامنا ونقاشنا: هل حرية الشتم هي جزء من حرية الرأي، أم إنها جزء من أدوات العنف؟! هذه التساؤلات والاقتراحات ليست لتبرير الهجوم الهمجي على الصحيفة، ولكنها لتفسير الأسباب الهمجية التي أدت إلى الهجوم!”. (نشرت الكلمة كاملة تحت عنوان: حرية الرأي … حرية الشتم، صحيفة الحياة ١٣ يناير ٢٠١٥).

تكمن المشكلة في أن الغرب يستخف بتقديس الرموز الدينية وبمبدأ التقديس عموماً، لكنه يقوم، واعياً أو غير واعٍ ، بتقديس حرية التعبير! من ذلك الإطار نبعت فكرة أن الاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لخلق التوازن بين هاتيك الثنائية المتنازعة، ما دفعني، وبالتنسيق مع عدد من السفراء لدى «اليونسكو» إلى اقتراح مشروع قرار لتقديمه إلى المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية بغرض اعتماده، في هذا الشأن. وقد جعلتُ خطابي السابق نواةً لمشروع القرار، تحت عنوان: “ثقافة الاحترام” نطالب فيه بأهمية التوازن بين حقّ حرية التعبير وحق احترام الرموز الدينية، وأنه مثلما استطاعت مجموعات صغيرة في الغرب أن تقيّد حرية التعبير وتقوّض أكذوبة أنها مطلقة، فإن من حق مئات الملايين أن يتم احترام رموزهم الدينية وعدم العبث بقداستها.
لم يكن سهلاً تمرير القرار واعتماده، إذ استدعى نقاشات جدلية مستفيضة حول الثنائية المعقدة بين الحرية والاحترام. وبعد عام ونصف من المفاوضات (مع الدول الغربية خصوصاً) وتقديم بعض التنازلات والتعديلات في الصياغة تم اعتماد القرار ولله الحمد. وهنا خبر يتضمن ملامح عن القرار (https://m.aawsat.com/home/article/653936/«يونيسكو»-تعتمد-قرارًا-دوليًا-مهما-بشأن-«ثقافة-الاحترام»).

واليوم يسرني أن أرى قرار المحكمة الأوروبية منسجماً مع القرار الدولي بشأن ثقافة الاحترام، الذي كان لي شرف الإسهام في استنباته قبل أربع سنوات.

أؤكد مجدداً، أني لست ضد حرية التعبير، لكني ضد حرية الشتم.

131 عدد القراءات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن