تظاهرات تشرين …الانذار الاخطر

اخبار العراق:

ابراهيم العبادي

لم يتوقع اكثر الناس قربا ومعرفة بتفاصيل عمل المرجعية العليا في النجف ، ان يأتي خطابها بعد التظاهرات الدامية التي شهدتها بغداد ومحافظات الوسط والجنوب العراقي ،   بهذه الصرامة والصراحة ،فقد اعتاد الخطاب ان يكون ناصحا ومرشدا ،لايتناول جزئيات الامور ولايدخل في ثنايا عمل الحكومة ،وهو منهج مصمم بعناية وحساب دقيق ،  يراعي اوضاع العراق المعقدة ،  ولايتجاوز الحدود التي اختطتها  المرجعية السيستانية لنفسها.

وهي تتعاطى مع الشأن السياسي العام ،خطاب الجمعة يوم الحادي عشر من تشرين الاول ، كشف بوضوح مقدار القطيعة  بين الطبقة السياسية العراقية في شقها الشيعي ، وبين بيت المرجعية ،حيث اعتاد كبار السياسيين الشيعة وصغارهم ، على التمسح بأعتاب المرجعية وأدعاء  سماع  كلمتها وأطاعة توجيهاتها ، فيما هم يغلفون مساوماتهم واتفاقاتهم وصفقاتهم  بغلاف مصالحهم ويعلقون ذلك على عاتق المرجعية  ،وفي ذات الوقت  هم يتلقون الاوامر من غيرها ، وينفذون المشاريع السياسية التي يحلو لهم ترتيبها ،  ويتقاسمون السلطات على ضوئها  ثم يحصلون  على الامتيازات  تبعا لها ، كل ذلك بعيدا عن رؤية المرجعية العليا ورغم  سخطها وصمتها ورسائلها الغاضبة.

مع اقرار الجميع بصواب رؤية المرجعية ودقة تحذيراتها على مر ايام العراق المتقلبة العاصفة . الشيعة العراقيون باتوا امام خيارين ،الاول يلزمهم باجراء تغيير جذري في طبيعة تعاطيهم مع السلطة ومفهوم الدولة  والديمقراطية كمنهج سياسي  ،وهو مادعت اليه المرجعية في مجمل احاديثها دون ان تلزم احدا بذلك ،وهذا الخيار سيرغم احزابهم وساستهم  على  نبذ فكر التسلط والاستحواذ والاغتنام والاستئثار ،  بما يقود الى تولي جيل جديد  من السياسيين ورجال الدولة والمفكرين والمثقفين والقادة الاجتماعيين المؤمنين بدولة المواطنة والسيادة الحقيقية.

لزمام الامور ، لاينحازون فيها الا الى العراق ومصلحة العراقيين ،وهذا المنهج هو فحوى رسالة المتظاهرين وجواب المرجعية على تلك الرسالة بكل الوضوح الذي تضمنته ، سعيا لمعالجة  ازمة النظام والدولة في العراق ،وهي ازمة لن ينفع معها تغيير حكومي ،  ولا استبدال وجوه بأخرى ،ولا حل لبعض المشكلات الاقتصادية والمعيشية ،رغم ضرورتها واهميتها في المرحلة القصيرة الراهنة .

الدولة تدار الان  ، رغم انف كبار مسؤوليها بقوى مقنعة ، لاتفقه معنى الادارة الحقيقية للسلطات والموارد ، ولا يدور بخلدها مفهوم التخطيط والعدالة الاجتماعية ،  ولاتعرف شيئا عن تغير  ثقافة الاجيال وموت الايديولوجيات وولادة مفاهيم الانسان الكوني والمواطنة العالمية ، هذه القوى التي تتعامل مع الدولة بمنطق الغنيمة والهيمنة وفرض الامر الواقع ،  وترسيخ الشعارات بالقوة المسلحة والعمل السياسي والاقتصادي المافيوي ، لن ترضخ لنصائح مرجعية عليا وليس في ثقافتها معنى للمراجعة والنقد ،بل لديها مشروعها الذي تمضي به.

وهي تسرع الخطى لقضم مابقي من  الدولة ومؤسساتها دون ان تسائل نفسها ماذا سيكون الحال بعد خمس او عشر من السنوات ،كيف سيتم اعالة خمسين مليون نسمة ؟  ، 65 بالمائة منهم شباب دون الثلاثين ؟  ،واي موارد مالية متاحة لادارة هذه المعضلة ؟  ، بل واي اقتصاد يستطيع ان يلبي حاجة الناس ،  و70 بالمائة من قوة العمل يعيشون على رواتب الدولة ،  ويستنزفون قدرتها المالية الشحيحة المتوقفة على استخراج النفط وبيعه ؟  .

ثم ماهو السبيل لمعالجة الاحباط والبطالة وتوزيع الثروات بطريقة عادلة ،وهي اعراض لمشكلة سياسية ونتيجة منطقية  لتفكير المجتمع السياسي  قبل ان تكون مشكلة اقتصادية !!! .

الخيار الاخر الذي على السياسيين الشيعة سلوكه ،يتمثل في الاستسلام لثقافة بنى وقوى ماقبل الدولة،   وتعزيزها  ، والاذعان للمنطق السائد حاليا ،  وهو منطق الجماعات والقبائل السياسية المسلحة المتنافسة والمتصارعة على مراكز القوى و على المغانم ،  وتغليف ذلك بقناع سياسي او ايديولوجي ،  والهاء الجمهور بمعارك وشعارات سياسية متعددة ، وتصوير هذه المعارك على انها صراع حياة ووجود .هذا الخيار سيقود الى الانفجار الاكبر والعنف المشرعن المدمر ،عنف الغاضبين وهم جمهور الشارع  ،وعنف المدافعين عن مصالحهم (وهم القوى المسلحة والممسكة بالسلطة ) .

الايام القادمة ستكشف الى اي مدى فهم ساسة الشيعة رسالة التظاهرات وكيف يتعاطون مع امثالها ؟ وسيتعين على الفاعلين الدينيين والسياسيين والاجتماعيين والثقافيين والسلطويين  بيان مواقفهم قبل ان يطويهم سلوك الجمهور المحبط الغاضب واختياراته لطريقة التعبير عن ثورته ،وهي اختيارات اهونها مرعب ومخيف.

اخبار العراق

631 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments