نصف الآثار العراقية بأيدي السراق ومافيات مرتبطة بجهات سياسية

اخبار العراق: وفاء حسين جالسة في غرفتها في المتحف الوطني ببغداد، وفي يدها دليل الآثار العراقية التي تم العثور عليها في يوم ما، وانتشرت اليوم في أنحاء العالم. تشرف وفاء على جهد عراقي ودولي للعثور على تلك القطع الأثرية، لكن هذا الجهد يواجه عقبات كبرى، كما أخبرت به جريدة الإندبيندنت الإلكترونية البريطانية.

وفاء حسين، آثارية وباحثة ورئيسة قسم الآثار في المتحف، تقع على عاتقها مهمة العثور على، واستعادة، آلاف القطع الأثرية التي تعرضت منذ العام 2003 للنهب وفي ظل ظروف مختلفة، وهي الآن في متاحف دول أخرى أو في حوزة أشخاص، تخبر وفاء الجريدة البريطانية بأن “الآثار منتشرة في أمريكا، بريطانيا، سويسرا، لبنان، الإمارات، إسبانيا وفي كل مكان. إنها لنا ونحاول جاهدين استعادتها جميعاً”.

سقط نظام صدام حسين في 9 نيسان 2003، فنشأ فراغ أمني في كل بغداد، تم نهب المتحف الوطني بالكامل، وحسب تقرير تمت خلال عملية النهب سرقة أكثر من 15 ألف قطعة أثرية من المتحف فيما يعتبر أكبر حملة تستهدف التراث الثقافي في التاريخ الإنساني.

لا تستطيع وفاء حسين التغلب على حزنها والألم الذي تجرعته في ذلك اليوم، وتقول، “أحزنني ذلك النهب، دخل كل أولئك الناس. لم يتركوا شيئاً في المتحف على حاله”.

أعيد افتتاح المتحف في 2015، لكن داعش كان قد احتل 30% من أرض العراق، قبل ذلك بسنة، خرب داعش الكثير من المواقع الأثرية في العراق، وهرّب الكثير من التماثيل والقطع الأثرية إلى خارج العراق، وهناك تقارير تقول إن داعش كسب 100 مليون دولار من بيع الآثار العراقية.

هناك لوحة في مكتب البحث والعثور على الآثار، مكتوب عليها “القائمة الحمراء”، وتحمل صور عشرات القطع الأثرية المفقودة، ومن بينها لوح طيني من مدينة أوروك الأثرية، يعود تاريخها إلى 3500 ق.م.

تقود وفاء حسين فريقاً من سبعة أعضاء يبحثون عبر شبكة الإنترنت عن آثار ميسوبوتاميا المنهوبة، وعندما يعثرون على قطعة أثرية، يتبعون طرقاً مختلفة لاستعادتها، فإن كانت في متاحف الدول، تحتاج استعادتها إلى جهود دبلوماسية، وتختلف الأمور عندما تكون في حوزة أشخاص عاديين.

وتخبر وفاء الجريدة البريطانية: “أهم شيء هو مواقع المزادات، ونحن نتابع ما يباع فيها، فإن عثرنا على شيء تعود ملكيته للعراق، نبذل كل جهد لاستعادته”.

يتطلب عمل مكتب البحث والعثور على الآثار، التواصل المستمر مع الدوائر الحكومية الأخرى، الشرطة، الشرطة الدولية، جامعو الآثار، المتاحف، وسفارات العالم، لكن طبيعة عمل وفاء تجبرها على ملازمة المكتب، وهذا ما يخلف لها عقبات، وتقول: “لا أستطيع أن أذهب بنفسي لرؤية تلك الآثار”، كما أن محلات المزاد وجامعي الآثار لا يسمحون بالتحقيق في بضائعهم الثمينة.

هذا العائق أجبر الحكومة العراقية على توكيل محامين لاستعادة القطع الأثرية، لكن وفاء تقول: “أحياناً نضطر للتخلي عن قطعة أثرية بسبب عدم توفر المال”.

وحسب التقرير، فإن نصف القطع الأثرية التي تعرضت للنهب منذ العام 2003، أعيد إلى العراق، وقد تم إعادة أغلب هذه القطع بمعاونة الشرطة والحكومات الأجنبية، في ربيع هذا العام صادرت السلطات البريطانية في مطار هيثرو قطعة أثرية عليها كتابات مسمارية، وأعيدت القطعة إلى العراق، ومن المقرر إعادة 154 لوحاً أثرياً آخر، تمت مصادرتها في العام 2011.

وتؤثر الاختلافات في قوانين الدول بخصوص القطع الأثرية المسروقة من دول أخرى على جهود الحكومة العراقية، وتقول وفاء حسين، “هناك من يدعي أنه يمتلك القطعة الأثرية التي بحوزته، وهناك دول تقر بحق الملكية لهم، وهذا يثير جنوني، فعليهم أن يدركوا أن هذه القطع الأثرية مسروقة”.

التاجر والمليونير النرويجي، مارتن شوين، واحد من جامعي القطع الأثرية العراقية، وملفه موجود على طاولة وفاء، وقد باع مارتن قبل أسبوعين، اثنتين من هذه القطع، يبلغ عمر إحداها 5000 سنة وتعد نموذجاً أولياً للكتابة المسمارية، التي تعد أقدم أنظمة الكتابة المعروفة في التاريخ الإنساني.

علاقة مارتن شوين مع الآثار العراقية تعود إلى فترات سابقة، ففي تسعينيات القرن الماضي، وصلت إلى بريطانيا 654 جرة عليها كلمات سحرية باللغة الآرامية، أشيع أول الأمر أن أردنياً اسمه غسان الريحاني، هو من جاء بتلك الجرار، لكن تبين فيما بعد أنها خرجت من العراق في آب 1990.

ويتحدث الموظف القانوني في مكتب البحث والعثور على الآثار، علي الطائي، عن أنه لا علاقة لهم بالمكان رغم أنهم بذلوا جهوداً كبيرة لاستعادة القطع الأثرية من خلال القنوات الدبلوماسية الرسمية، لكنهم لم يلقوا استجابة.

لا ينوي المتحف العراقي التخلي بسهولة عن محاولاته، ويقول علي الطائي، “لا تظنن أننا لن نلجأ إلى طرق أخرى، كالاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي، والذي يهم هو أن لا ندخر جهداً”.

هناك أكثر من عشرة آلاف موقع آثاري في العراق، وقد جرى التنقيب في 10% فقط منها، بينما الآلاف من المواقع متروكة بدون حراسة وهي عرضة للنهب.

وقال مهندس حماية الآثار في يونسكو، برونو ديسلانديس، “التنقيب غير القانوني مستمر في المواقع الأثرية، ما يمثل أكبر تهديد للآثار العراقية الحالية، وهذا يحدث أسبوعياً في المواقع الآثارية”.

لا تستطيع وفاء أن تنسى أمر القطع الأثرية التي في حوزة شوين، وهيأت لها أماكن في المتحف لعرضها بعد استعادتها، “سيكون مكسباً عظيماً لو نجحنا في إعادتها، لقد دفع البلد ثمناً غالياً من دمه، فليعيدوا إلينا تاريخنا على الأقل”.

وكالات

710 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in رئيسي, مجتمع.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments