حبوب الكبسلة في العراق.. يُعتقل صغار المتعاطعين.. والتجار أحرار

أخبار العراق: ظلت مدينة البصرة الواقعة جنوب العراق لأعوام كثيرة، مجرد ممرٍ دوليٍ لتهريب المخدرات، بحكم موقعها الجغرافي، لكن بعد عام 2003 أوجدت “مافيات تجارة المخدرات” في المدينة سوقاً رائجة لبضاعتها، التي أدى تزايد الطلب على استهلاكها إلى تنوع مصادرها وأنواعها، كما تعددت مسارات وأساليب تهريبها.

مئات المتهمين

لا يكاد يمر يوم في البصرة إلا وتلقي القوات الأمنية القبض على باعةٍ ومتعاطين بحوزتهم بضعة غرامات من المخدرات، لكن نادراً ما يُلقى القبض على كبار التجار، والحديث يجري عن مافياتٍ ذات نفوذ. وبحسب رئيس اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة جبار الساعدي فإن “عدد الذين ألقي القبض عليهم بسبب تعاطي وترويج وتجارة المخدرات بلغ 2150 متهماً خلال عام 2014، وخلال النصف الأول من العام الحالي بلغ عدد المحتجزين 463 متهماً”.

وأشار الساعدي إلى أن “من أبرز أسباب الظاهرة عدم فرض سيطرة مطلقة على الحدود، وضعف التنسيق الأمني بشأن مكافحة تهريب المخدرات مع دول الجوار”، مبيناً أن “المخدرات تُهرب إلى العراق من دولٍ عدة، وبعض الكميات يُعاد تهريبها من العراق إلى دول أخرى”.

من الأرجنتين

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أدلى قبل أشهرٍ قليلة بتصريحاتٍ إعلامية، بشأن المخدرات أثارت استغراباً شعبياً، والبعض قابلها بتهكم، إذ قال إن “المخدرات تصل إلى العراق من الأرجنتين”، في حين أن الصورة النمطية الشائعة في أذهان العراقيين تفيد بأن المخدرات تُهرب فقط من إيران، التي تمتد حدودها مع العراق لمسافة 1458 كلم. وبعد أسبوع من تصريحه عاد عبد المهدي وأوضح خلال مؤتمرٍ صحافي، أن “مادة الهيروين تأتي إلى العراق من الأرجنتين عبر سوريا، وأن هناك شبكات لتجارة المخدرات تنشط في أنحاء العراق، لدينا تقارير أمنية مخيفة”.

تصريحات رئيس الوزراء العراقي جاءت قبل أيامٍ قليلة من إعلان مجلس القضاء الأعلى عن إصدار المحكمة الجنائية المركزية في بغداد أحكاماً بالإعدام شنقاً بحق مدانين بالانتماء إلى عصابةٍ دوليةٍ لتجارة المخدرات. وذكر المجلس في بيانٍ أن “المدانين كانوا يشكلون عصابة متورطة في تجارة المخدرات عبر مسارين، الأول تهريب الكوكايين والحشيش من البرازيل إلى العراق، ومنه إلى لبنان، والثاني تهريب الحبوب المخدرة من لبنان إلى سوريا، ومنها إلى العراق ودول أخرى”.

الكريستال

مطلع عام 2012 ضبطت قوات الشرطة كمية من مادة مخدرة غامضة، كانت معبأة في أكياس صغيرة توحي بأنها مادة طاردة للرطوبة، وبعد إرسال عيناتٍ منها إلى مختبرات وزارة الصحة في بغداد، أظهرت نتائج التحليل أنها مادة مخدرة جديدة. وفي غضون أقل من عامين طغت هذه المادة التي تعرف محلياً بـ”الكريستال” على المخدرات الأخرى، وصارت أكثر الأنواع استهلاكاً.

مدير قسم الصحة النفسية وعضو لجنة مكافحة المخدرات في البصرة عقيل الصباغ قال   إن “أنواعاً من المخدرات التي ظهرت بعد عام 2003 لم تكن معروفة محلياً، وأبرزها الكريستال الذي يُعد من مجموعة الكوكايين، ويتميز بسهولة الاستخدام، يباع بسعر 40 ألف دينار أي حوالى 33 دولاراً لكل خمسة غرامات”، مضيفاً أن “الكريستال الذي انتشر في البصرة ومحافظات عراقية أخرى، ليس شائعاً في معظم الدول التي تستشري فيها آفة المخدرات”.

مديرية مكافحة الإجرام في البصرة أعلنت منتصف عام 2016 عن ضبط أول معملٍ محليٍ لتصنيع هذه المادة، وإلقاء القبض على أربعة من العاملين فيه. إلا أن الصباغ يرى أن “الكريستال يُهرّب إلى العراق من خارجه، ولم تنجح محاولات تصنيعه محلياً، وأن المعمل كان عبارة عن ورشةٍ صغيرة تستخدم في إضافة مواد إلى الكريستال تام الصنع، لزيادة فاعليته وتأثيره”.

الكبتاغون

ليس الكريستال وحده الذي كان غريباً وصار مألوفاً، ففي عام 2016 ضبطت قوات الشرطة في البصرة أول كمية آتية من سوريا عبر الأنبار من الكبتاغون، وهو نوعٌ من المخدرات يلقى رواجاً بين المتعاطين في عددٍ من الدول العربية. وبعد أسابيع من ضبط الشحنة الأولى عثرت شرطة الجمارك في منفذ سفوان الحدودي البري، الوحيد بين العراق والكويت، على حقيبة سفرٍ تحتوي 20 ألف حبة من الكبتاغون، ويبدو أن المهرب تخلى عنها عندما لاحظ تشديداً في إجراءات التفتيش. ثم توالت حالات ضبط هذا النوع من المخدرات بكميات متفاوتة في مناطق متفرقة من المحافظة، لكنه لم يزل أقل شهرةً وانتشاراً من الكريستال.

وبحسب أحدث تقرير للهيئة الدولية لمراقبة المخدرات فإن “الكبتاغون أصبح مخدراً مفضلاً في مناطق الحرب في الشرق الأوسط، ويمثل مصدر دخل لجماعات مسلحة. وهناك دلائل على تزايد حالات زراعة المخدرات وإنتاجها بطرق غير مشروعةٍ في العراق، بما يشمل صنع الهيروين وزراعة الخشخاش ونبتة القنب، وعلى وجه الخصوص شهد الاتجار بالمخدرات وتعاطيها زيادة كبيرة في مدينة البصرة”.

الخشخاش

لا تزرع النباتات المخدرة في البصرة، أو على الأقل لم تضبط القوات الأمنية لغاية الآن أنشطة زراعية تتعلق بالمخدرات، إلا أنها تتوجس من إمكان إنشاء مزارع لنباتات مخدرة في مناطق نائية. وخلال عام 2010 تلقت معلومات عن قيام مشاتل أهلية بإكثار نباتات مخدرة، فسارعت إلى تنفيذ حملة تفتيش لم تسفر عن ضبط أية نباتات محظورة، وأخذت من أصحاب المشاتل تعهدات خطية بعدم التعامل مطلقاً مع أي صنفٍ من النباتات، التي تدخل في إنتاج المخدرات مثل الخشخاش والقات والشوفان وصبار المسكال والقنب الهندي، فضلاً عن شجيرة الكوكا التي تُستخلص من أوراقها مادة الكوكايين.

المهندس الزراعي الاستشاري علاء هاشم البدران أعلن أنه “في بعض مناطق البصرة تظهر بشكلٍ طبيعيٍ ومحدود نبات الخشخاش الذي تُستخلص من ثماره مادة الأفيون”، مضيفاً أن “بعض الأهالي كانوا يزرعون الخشخاش في حدائقهم المنزلية إعجاباً بأزهاره الجميلة، وكانوا يطلقون عليه اسم (النوام) لأن بذوره كانت تستخدم بعد غليها كعلاجٍ عشبي لحالات الأرق وتسكين الآلام”.

الكبسلة

الإجراءات الحكومية لاحتواء ظاهرة انتشار المخدرات لا ترقى إلى مستوى الأزمة بكل أبعادها وتداعياتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، فأكثر الجهود محددة بالجانب الأمني، أما حملات التوعية بأخطار المخدرات فهي شبه غائبة، وخدمات معالجة المدمنين تبدو ضعيفة، خصوصاً في ظل خلو البصرة من مركز تخصصي لمعالجة المدمنين وتأهيلهم، ولأعوام كثيرة يعاملون كمجرمين عند القبض عليهم، إلا أن عقيل الصباغ قال إن “دائرة الصحة مقبلة بعد أيام على افتتاح مركز مؤقت بسعة 44 سريراً، لمعالجة الإدمان على المخدرات، وذلك لحين بناء مركز كبير بسعة 200 سرير، تعهدت بتمويله وزارة النفط، وسنستعين بأطباء مصريين تعزيزاً للخبرات المحلية”.

ومن المؤمل أن يهتم المركز بتقديم خدماته إلى الذين يعانون الإدمان على عقاقير طبية مخدرة، وليس المخدرات التقليدية فحسب. وتعرف ظاهرة الإدمان على العقاقير المخدرة محلياً بـ”الكبسلة”، وهي ظهرت بوضوح خلال الثمانينيات وتفاقمت خلال التسعينيات، وتقتصر على عقاقير معينة ابتدع لها تجارها المحليون مسميات خاصة. فعقار “ريفوترين” يسمى “أبو الصليب”، وعقار “ماكدون” يدعى “أبو الحاجب”، وعقار “باركيزول” يكنى “أبو الجمجمة”، وعقار “فاليون” يطلقون عليه “دموي”.

قانون جديد

قبل عامين، شرّع مجلس النواب العراقي قانوناً لمكافحة المخدرات بدلاً من قانون سابق يعود إلى عام 1965، ونصت المادة (27) من القانون الجديد بعقوبة “الإعدام أو السجن المؤبد لكل من استورد أو صدر موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية أو سلائف كيميائية، بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي نص عليها القانون، ومن أنتج أو صنع موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون، ومن زرع نباتاً تنتج منه موادّ مخدرة أو مؤثرات عقلية، أو استورد أو صدر نباتاً من هذه النباتات في أي طور من أطوار نموها، بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون”، إلا أن أحكام الإعدام القليلة الصادرة بحق مدانين بتجارة المخدرات لم تنفذ لغاية الآن.

جدير بالذكر أن القانون الجديد يُلزم وزارة الصحة بتأسيس هيئة وطنية عليا لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، كما يُلزم وزارة الداخلية بتأسيس مديرية لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية. ويؤكد القانون أهمية صياغة استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة المخدرات، ويشير إلى اعتبار اليوم العالمي لمكافحة المخدرات مناسبة يُحتفل بها سنوياً، وكذلك يوصي بتشجيع الدراسات والبحوث العلمية المتعلقة بتعاطي وتجارة المخدرات.

مفارقة لا تخلو من الغرابة، أن تنتشر المخدرات في البصرة على الرغم من تجريمها، في حين لم تلق رواجاً واسعاً عندما كانت مباحة، فالقوات البريطانية سمحت بالمتاجرة علناً ببعض أنواع المخدرات بعد اجتياحها المدينة خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914، وبهذا الصدد ذكر الباحث حميد أحمد حمدان في كتابه (البصرة في عهد الاحتلال البريطاني)، أن “السلطة اهتمت بمردودات الضرائب المالية وأغفلت آثارها الأخرى، حتى أن بعضها كان لا يتناسب مع الناحية الإنسانية، كما الأمر في استيراد الأفيون وتوسيع بيعه، إذ أجازت السلطة فتح ثلاثة محالٍ لبيع الترياق في منطقة العشار، وأعلنت استعدادها لمنح إجازة لمن يشاء بيع الأفيون والحشيش”. وكالات

1٬002 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in رئيسي.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments