دولة مقتدى الصدر

أخبار العراق:

سليم الحسني

حين كانت قوات مقتدى الصدر تجوب الشوارع بعجلاتها وأسلحتها يوم ٨ شباط ٢٠٢١، فان علم الدولة العراقية كان يتمزق تحت أقدام تلك المجاميع المسلحة، وكانت هيبة الدولة قد تحولت الى مزق رثة متناثرة على الأرض.

ربما يستفز هذا الكلام مشاعر البعض، فيطلقون عبارات غاضبة عن قدسية العلم العراقي وعن رمزية الدولة، لكن ذلك لن يغيّر واقع الحال. لقد انتهت السلطة والدستور والرئاسات، وصار الكلام للسلاح المنفلت وللعصابة الأشرس.

قبل هذه الخطوة، استكشف مقتدى الصدر أجواء الحكومة، فأطلق عدة تغريدات تتضمن التهديد واستصغار شأن السلطة والشعب، وحين قرأ العجز على وجوه المعنيين، قرر أن يخطو الخطوة الصاخبة.

قرأ مقتدى الصدر الساحة العراقية قراءة واقعية، وتصرف في ضوء قراءته، فوجد أن رئاسة الوزراء تابعة له تماماً، وهو المتحكم الأكبر برئيس الوزراء، فالكاظمي يدرك جيداً ان مصيره متوقف على قرار مقتدى الصدر. وقد جاء مستشارو الكاظمي ليملأوا رأسه وقلبه خوفاً وحذراً من زعيم التيار، ويشجعوه على الاستجابة لمطالبه وتنفيذ أوامره.

نصائح المستشارين ليست من أجل الكاظمي ومصلحة حكومته، إنما لأنهم يريدون الوصول الى نقطة محددة لهم. نقطة لا يعرفها الكاظمي نفسه، وقد صرح بها مستشاره مشرق عباس في بداية تشكيل الحكومة بقوله لبعض أصدقائه: إننا نريد الكاظمي جسراً لمرحلة أخرى. وهذا ما نلاحظه من خلال أداء رئيس الوزراء الذي أعطى للصدريين ما يشاؤون، وجعل الدولة تحت تصرفهم. وكان آخرها السكوت على انتشار ميليشياتهم المسلحة واستعراض قوتهم العسكرية في الشوارع، من دون أن يتخذ رئيس الوزراء خطوة عملية تليق به كرئيس للسلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة.

كان مقتدى الصدر يعرف جيداً أن الكاظمي لن يعترض على انتهاك هيبة الدولة، وأن غاية ما يقوم به تغريدة على تويتر، وهذا ما فعله الكاظمي، وهو مكسب مهم حققه مقتدى الصدر، ليقول للشعب والكتل السياسية والرئاسات أنا الحكام الأعلى، والعراق صار لي.

ولكي يمعن مقتدى الصدر في إذلال الحكومة، فانه أوعز الى معاونه العسكري، ليرسل كتاباً الى رئيس جهاز الامن الوطني يأمره بإقالة: مدير عام أمن المحافظات، مدير عام المالية والإدارية، مدير عام أمن الجهاز ومدير عام الأمن الوقائي. وأغلب الظن أن عبد الغني الأسدي سيوافق على ذلك، كما أن الكاظمي سيمضي الطلب أيضاً.

لم يعد هناك ما يخشاه مقتدى الصدر أو يحذر منه. فهو مدعوم إقليميا من السعودية، ويحظى بتأييد مكتب المرجعية الشيعية، ومنسجم مع توجهات السفارة الأمريكية، وكل هذه نقاط قوة يستغلها في خطواته القادمة ليفرض سيطرته المطلقة على الدولة.

ومع أن الكاظمي يحقق له ما يريد، إلا ان زعيم المليشيات الصدرية يريد الإمعان في إذلال سلطات الدولة ورئاساتها، فالحلم الذي يملأ رأس مقتدى الصدر أن يكون ملك العراق المتربع على عرشه باسم آل الصدر.

في الشارع العراقي كلام مسموع ساخر بسلطة رئيس الوزراء، ومن المؤسف جداً ان يصل به الحال الى هذه الدرجة من الانهيار امام مقتدى الصدر. لقد بدأ الكاظمي جاداً في خطواته، لكنه سقط ضحية الخدعة المحبكة التي صاغها مستشاروه وجعلوه اسيرها.

بمقدور الكاظمي أن يستعيد قوته، لو أنه راجع نفسه بين أول يوم له في رئاسة الوزراء، وبين هذا اليوم. وله بعد ذلك أن يختار بين يكون الرجل الذي استعاد هيبة الدولة، أو الرجل تنازل عن هيبته وشخصيته وكل شيء.

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

135 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments