رسائل الكاتيوشا… ورسائل الدرونز… وما بينهما

اخبار العراق:

يحيى الكبيسي

بعد رسائل الكاتيوشا التي بدأت بصاروخ المنطقة الخضراء في 19 ايار/ مايو 2019، والتي اضطرت رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي إلى إصدار بيان حول الموضوع، كتبنا مقالا بعنوان، “عندما يتم الاعتراف بما تم التواطؤ عليه”، قلنا فيه، إن منطق الدولة لا يمكن أن يستمر في التغطية على قوى مسلحة مشرعنة تعمل على الضد من هذا المنطق، وان التواطؤ الذي حكم العلاقة بين الدولة وهذه القوى خلال المرحلة السابقة، لم يعد صالحا للاستمرار.

وكانت هذه المرة الأولى التي نجد فيها اعترافا ضمنيا لفاعل سياسي شيعي، بأن وجود فصائل الحشد الشعبي، كقوة موازية للقوات العسكرية الرسمية، وخارج نطاق سيطرتها الفعلي، بل وخارج نطاق أية سيطرة حقيقية للقائد العام للقوات المسلحة، لم يعد مقبولا.

بعد ذلك بأقل من شهر، أصدر عادل عبد المهدي الامر الديواني 237 بتاريخ 1 تموز/ يوليو 2019، الذي تم تفسيره على نطاق واسع بانه محاولة لتقنين وضع الحشد الشعبي، وانه جاء استجابة للضغط الأمريكي بهذا الاتجاه! وقد كتبنا حينها مقالا بعنوان: “عندما تعجز الدولة عن إنفاذ قوانينها” قلنا فيه إن هذا الأمر، لم يأت بجديد عمليا، لأنه لو تم إنفاذ قانون “هيئة الحشد الشعبي” الذي صدر في نهاية عام 2016، ولو تم إنفاذ الأوامر الديوانية التي أصدرها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، لما كنا بحاجة إلى أمر ديواني جديد، وأن هذا الامر الديواني، كسابقيه، لن ينجح في ضبط أو تقنين الكثير من فصائل الحشد التي ترتبط عقائديا وتنظيميا بولاية الفقيه والحرس الثوري الإيراني، والتي لن تلتزم بما تقرره الدولة العراقية بسلطاتها الرسمية المعترف بها!.

بداية من 19 تموز/ يوليو 2019 كنا أمام وضع مختلف تماما، بدأ مع تفجيرات في معسكر الشهداء التابع للحشد الشعبي في منطقة آمرلي ضمن محافظة صلاح الدين، وقد تباينت التقارير الرسمية حول سبب الحريق! حيث تحدثت خلية الإعلام الحربي عن قصف طائرة مجهولة للمعسكر “برمانة” فيما أعلنت لجنة التحقيق المركزية التي شكلها هيئة الحشد الشعبي بأن التحقيقات أثبتت “ان الانفجار لم يكن استهدافا عسكريا نتيجة طائرة مسيرة أو صاروخ موجه، إنما مجرد حريق لوقود صلب نتيجة خلل داخلي”.

ثم تجددت التفجيرات يوم 12 آب/ أغسطس 2018 في معسكر الصقر جنوب بغداد، وهو معسكر تتخذه الشرطة الاتحادية، وأحد فصائل الحشد الشعبي مقرا لها، في ازدواجيه غير منطقية وغير مفهومة تماما! هذه المرة لم يعلن أي بيان رسمي، وما كادت المهلة المعطاة للجنة التحقيق لإنجاز تحقيقاتها “وهي أسبوع واحد من تاريخ 15 آب/ أغسطس”، حتى تفاجأ الجميع بانفجارات في معسكر تابع للحشد الشعبي قرب قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين.

مع الانفجار الأخير، بدا واضحا أنه لم يعد ثمة إمكانية للصمت، لاسيما ان الإشاعات حول مسؤولية إسرائيل عن هذه العمليات بدأت تنتشر بقوة! ولكن رد الفعل الرسمي هذه المرة، أثبت ما كنا نقوله دائما عن البنية الموازية التي يمثلها الحشد الشعبي داخل الدولة العراقية! فقد أصدر نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعروف بأبي مهدي المهندس، وهو القائد الحقيقي للحشد الشعبي، او بدقة أكبر للفصائل العقائدية في الحشد الشعبي، يوم أمس الأول، بيانا صدره بالآية الآتية “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”.

وقد اتهم البيان الولايات المتحدة الأمريكية صراحة بانها المسؤولة عن الهجمات على مقرات الحشد الشعبي “عن طريق عملاء او بعمليات نوعية بطائرات حديثة”، وانه تتوفر لديهم “معلومات دقيقة ومؤكدة ان الأمريكان قاموا هذا العام بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية عن طريق أذربيجان لتعمل ضمن اسطول القوات الأمريكية على تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عراقية”، وان هذه المعلومات قد تم نقلها إلى “العمليات المشتركة والدفاع الجوي” في القوات المسلحة العراقية! كما تحدث عن مشروع قادم لتصفية جسدية لعدد من الشخصيات الجهادية والداعمة للحشد الشعبي، وأخيرا عن تحميل الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية ما حدث، وما يحدث اعتبارا من هذا اليوم، وانه لم يعد لديهم خيار سوى الدفاع عن النفس وعن مقراتنا بأسلحتنا الموجودة حاليا، واستخدام أسلحة أكثر تطورا.

وجاء أول رد فعل من خارج إطار الحشد الشعبي الرسمي، ومن صلبه فعليا، على لسان قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، الذي وصف البيان بانه “وضع النقاط على الحروف”، وان العراق يمتلك القدرة الكاملة للدفاع عن نفسه.

ثم صدر بيان آخر، عن رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض هذه المرة، بعد اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء!، والذي كان ردا مباشرا على البيان الأول، حيث صرح من خلاله، رسميا، وللمرة الأولى، بأن التحقيقات الأولية قد أثبتت ان الانفجارات الأخيرة كانت بعمل خارجي مدبر، ولكن من دون إعلان هذه الجهة، وان “التحقيقات مستمرة للوقوف بشكل دقيق على الجهات المسؤولة من أجل اتخاذ المواقف المناسبة بحقها” المفارقة هنا ان الرئاسات الثلاث، رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، قد أصدرت بيانا في اليوم التالي يتحدث عن ضرورة التحقيق بشان ما تعرضت له مخازن الأسلحة ولم يتحدث عن عمل خارجي”، ولكن البيان أشار أيضا إلى أن ما نسب إلى نائب رئيس الهيئة “لا يمثل الموقف الرسمي للحشد الشعبي، وأن القائد العام للقوات المسلحة، او من يخوله، هو المعبر عن الموقف الرسمي للحكومة العراقية وقواتها المسلحة”.

وهي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التباين، في وجهات النظر بين الأطراف الممثلة، شكليا او فعليا، للحشد الشعبي، وهذا يوحي بانقسام حقيقي داخل هذا الحشد. فمن المعروف أنه يمكن تصنيف الحشد وفقا لمعايير مختلفة، منها معايير عقائدية “اعتناق مبدأ الولاية العامة المطلقة للفقيه المعروفة بولاية الفقيه من عدمه”، أو معايير سياسية مشاركة أجنحتها السياسية في سلطات الدولة المختلفة من عدمها، فضلا عن معايير أخرى.

وكان الخطاب الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية، طوال السنوات الخمس الماضية، وكما أشرنا من قبل، يميز بين ما يسميه الفصائل الجيدة، والفصائل السيئة، وقد جاء وضع بعضها على قائمة المنظمات الإرهابية ضمن هذا السياق! ولكن من الواضح بعد البيانات المضادة الأخيرة بأننا أمام صدام حقيقي بين الفصائل العقائدية المرتبطة عضويا، عقائديا وتنظيميا بإيران “ولاية فقيه وحرس ثوري”، وبين فصائل أخرى تحاول المناورة في سياق هذه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتحاول أن تضع عتبة، ما زالت غير واضحة المعالم، بينها وبين إيران سواء للحفاظ على نفوذها السياسي أو مواردها المادية، مدعومة بالفصائل التي لا ترتبط بإيران “مثل سرايا السلام الفصائل المحسوبة على السيستاني ككتائب العباس”! ومن الواضح أيضا أن رئيس مجلس الوزراء، والذي جاء إلى منصبه نتيجة لاتفاق سياسي بين القوى التي تنتمي، بشكل عام، إلى المجموعة الثانية، بات أكثر انحيازا إلى الموقف الأخير، على أن لا يصل الامر إلى مواجهة مباشرة مع الإيرانيين، او تبني مباشر للموقف الأمريكي.

في النهاية، إذا كانت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بعيدة عن صدام عسكري مباشر، فإن المؤشرات على الأرض تخبرنا بان ثمة مواجهة بالنيابة يحضر لها في العراق.

وكالات

25 عدد القراءات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن