طراطير سياسة بدرجة بعير

اخبار العراق:

ياس خضير البياتي

عندما نتحدث عن تطور أي بلد، فأننا نتحدث عن سياسييه، فقد علمتنا الحياة وتجاربها، مثلما قال قائد سياسي صنع مجدا لبلده، ان المسؤولين نوعان، النوع الأول هم مفاتيح الخير، يحبون خدمة الناس، سعادتهم في تسهيل حياة البشر وقيمتهم فيما يعطونه ويقدمونه، وإنجازهم الحقيقي في تغيير الحياة للأفضل، يفتحون الأبواب، ويقدمون الحلول ويسعون دائماً لمنفعة الناس.

والنوع الثاني مغاليق للخير، يصعّبون اليسير ويقللون الكثير، ويقترحون من الإجراءات ما يجعل حياة البشر أكثر مشقة، سعادتهم في احتياج الناس لهم، ووقوفهم بأبوابهم وعلى مكاتبهم.

ومن سوء حظ العراق انه فاز بالنوع الثاني الذي غلق منافذ الحياة، وابتكر أنواع أساليب القمع والقتل، وتفنن بأثارة الطائفية، وأساليب فنون النهب والسرقة، وتهديم الوطن، وابتكار قتل الحياة والحرية، حتى أصبح السياسي العراقي ماركة مسجلة للتخلف والاستهجان، ومضرب الامثال في تقديم تجربة مغزية في النظام السياسي يقوم على المحاصصة والسرقة والفساد والفقر، وتهديم ما تبقى من الوطن الجميل، حتى دخل الوطن بفضلهم في آخر التصنيفات العالمية من حيث الفقر والمعيشة والآمن والنظافة والشفافية، وربما بأنتظارالمزيد منها في قابل الأيام!

إذا صح أن شرّ البلية ما يضحك، فإن لدينا في العراق طراطير من السياسيين ما يكفي ويفيض، فقد شهدنا تناسل للأحزاب، وتناسل للسياسيين اصحاب التواريخ التي لا تسر ولاتنفع. وكان المحتل ذكيا، عندما ترك لنا نخب سياسية جاهلة مصابة بفقر العوز والجاه والسلطة على مقاس العملية السياسية المريضة، التي تجعل من العراق، كياناً باهتاً وفاشلاً، كانت المواصفات المطلوبة جاهزة: قطّاع طرق، وعملاء مزدوجون، وسماسرة، وطائفيون، وتجار سكائر واغنام، وبعران سياسة، ولصوص محترفون، ورجال دين لا يخافون الله ورسوله وائمة اهل البيت الكرام!

من الظلم، ونكران الحقيقة، أن نجعل الجميع في سلة واحدة، لكن اكثرهم يمتهنون السياسة صدفة، ويناضلون في حلبة صراع المال، والصفقات والجاه، وهم من براعة التمثيل والادعاء، يتكلمون عن الديمقراطية والفساد ومظلومية الناس، وهم أكثرهم كرهاً لها، وظلما للناس، يصمون آذانهم عمدا عن سماع صمت الآلام العميقة للفقراء والبسطاء والمحرومين والعاطلين، هم من جنس آخر، وفصيلة أخرى، ومعدن مصدأ بأكسيد الحديد، فمغاليق الخير لهم طرقٌ في الإيذاء، يخجل منها حتى الأبالسة كما يقولون! ومثلما يقول المَثَل الألماني “نسمع سقوط المطر ولا نسمع هبوط الثلج، نسمع ضجيج الآلام الخفيفة، ولا نسمع صمت الآلام العميقة”، لكن قومي يصرون على منحهم بطاقة الحياة والوجود، وكانَ مارتن لوثر كينغ محقا، حين قال “المصيبة ليستْ في ظلم الأشرار، بل في صَمت الأخيار”.

لقد جلب لنا “طراطير” السياسة وزعاطيطها العار للوطن، فقد قتلوا كل شيء جميل كان محل فخرنا، قتلوا فينا احلام طفولتنا وشبابنا وشيخوختنا، وصدروا لنا غيبيات الماضي وطقوسه، وانعشوا فينا الولاءات الطائفية والدينية والقومية، وجلبوا لنا بسياستهم داعش الفساد والقتل والتهجير القسري، وقانون السلاح وكاتم الصوت،بل هدموا فينا جذوة الوطنية ،وزرعوا بذور العمالة في اوطاننا ،وجعلونا اشتاتا لدول مختلفة نستجدي منهم الماء والكهرباء والغاز والنفط والخضروات والرقي واللبن والبصل، بل اصبحنا خزينا للأفيون والمخدرات وحبوب الهلوسة لقتل شباب الوطن.

فأي وطن هذا ينفي المفكر والأستاذ والمثقف لمجرد رأي او فكرة ويستبدلهم بالرعاع، اي وطن هذا الذي يكافئ القاتل واللص والفاسد ليكون وزيرا، ويمنح الجاهل وقاطع الطرق، وراعي الغنم والبعير درجة سفير! اخزاكم الله دنيا وآخرة، فما رأى العالم مثلكم ولاسمع.

نعترف بأن السياسي العراقي كانت له فضائل كثيرة لا تنسى من ذاكرة الوطن، هو اجتثاث الانسان والزرع والورد من بلاد الرافدين، وجعلها أراضي بور قاحلة، ومبازل منخورة، وسدود قديمة، فاخترع لنا شعبا مهووسا بغيبيات الماضي، كثير الشكوى والتظلم، ظالما ومظلوما، يشرب مياه آسنة ومالحة، ويحلم بنسمة هواء من كهرباء لا يأتي، وحصة غذائية غير منهوبة، مثلما اسس لنا اقتصادا ريعيا لقتل زراعتنا ومصانعنا ومشاريعنا، لينهي آخر امل للفلاح والصناعي، ويسدل الستار على وطن مستورد في أسواقه ومنتوجاته، حتى يشعر المرء بالخجل: كيف ان هذا العراق العظيم غير قادر اليوم على انتاج البصل والطماطة والفجل والخضروات، بعد ان كان ينتج الصواريخ والسيارات والأدوية والأجهزة الالكترونية.

لم نعد نسمع في الوطن سوى دندنات جراح، وأنين كلمات مفجعة بالموت، وشكوى لأحزان قاسية، وجوع ينهك فقراء بلادي، ودموع نساء فقدن اعز الأبناء، وشيوخ يأنون من ضيق الراتب والحال، وجيوش من العلماء والكتاب والمفكرين في منافي الغربة والاحزان، وشباب ينتظر الوظيفة التي أصبح الحلم فيها عسرا، وأطفال تقتل براءتهم في المزابل ومحلات السمكرة وطرق الوطن، كأنهم يعيشون في أفقر البلدان، وليس في بلاد تغرق بالنفط والانهار والنخيل.

لم نعد نشاهد الفرقة السمفونية العراقية تخلق جمال الروح، ولا رشاقة فرق البالية، ولا هج الفرقة الشعبية للرقص الشعبي، ما عدنا نسمع طربا اصيلا يرمم النفوس والقلوب، ومسرحا ينمي العقول، وادأب وفنون تنعش أجواء بغداد ومدن العراق بجمال الحرف واللوحة والصورة، كأن ثقافة الجمال كتب عليها طقوس موت البشر، لها الرحمة ومثواها الجنة، والبقاء لله.

لقد قرأت كلاما جميلا يقول، ان السياسي العراقي يعيش في عصر النظام السابق، فهو يعيش في مكاتب وقصور المنطقة الخضراء ، ويسير في شوارع مبلطة، ويجتمع في قصر المؤتمرات، وينام في فندق الرشيد والمنصور، ويعالج في مستشفى ابن سينا ومدينة الطب، ويتعلم في مدارس وجامعات العهد القديم، ويسافر من مطار صدام، ويزاول عمله من مقرات الوزارات القديمة، ويعقد لقاء تلفزيونيا في مقر الإذاعة والتلفزيون في الصالحية، ويستخدم جسور بغداد للعبور، ويطبق قوانين “الدكتاتور”، ومع ذلك يجلس في مجلس النواب الذي بناه النظام السابق ليقول: ان النظام السابق ترك لنا تركة ثقيلة!

محصول القول، ما احوج العراق الجريح الى سياسي عراقي يكون مواطنا بدرجة وطن، متطرف بعراقتيه وإنسانيته وتسامحه، وطنيا متجذر الجذوربقدرمساحة العراق، رجل افعال تليق بعراقيته، متبوع لا تابع، وحكيم عادل لا يخشى الظالمين والفاسدين، فاعلا لا مفعول به، نزيه العقل واليد، لأن العراق هو سيدنا الوحيد، مطاع لا طائع، وصانع لا مصنوع، وآمر لا مأمور، وحاكم لا محكوم، سياسي معلوم الهوية والانتماء، عادلاً وحكيماً ونزيهاً، مواطنا بدرجة وطن، لا طرطورا بدرجة بعير.

وكالات

491 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments