عبد المهدي والحكيم إلى فراق.. السلطة تفسد للود أكثر من قضية

اخبار العراق: ظلّ عادل عبدالمهدي أميناً مخلصاً طائعاً لقادته في “المجلس الإسلامي الأعلى” من آل الحكيم وهم: محمد باقر الحكيم “قتل في تفجير النجف أواخر آب /أغسطس 2003″، وخلفه شقيقه عبدالعزيز الحكيم “توفي بالسرطان في أواخر آب /أغسطس 2009 في طهران”، وخلفه نجله عمّار الحكيم حتى العام 2016، ليستقيل من العمل الحكومي “وزارة النفط” والحزبي، مع دخول التنظيم السياسي أزمة كبرى انتهت بإعلان الحكيم عن تشكيل حزب جديد بقياداتٍ شابة حمل اسم “تيار الحكمة”.

المفاجأة جاءت من طرف رئيس “تيار الحكمة” الذي بدا متبرماً بأداء حكومة عبد المهدي المخلص الأمين السابق لآل الحكيم
شهدت حياةُ عبدالمهدي تحولاتٍ فكرية صاخبة، بعثي ثم ماركسي متشدد على الطريقة الماوية “نسبة للزعيم الصيني ماوتسي تونغ”، ثم أخيراً إسلامي طائفي يؤمن بإمامة الخميني وانتقاله للعيش والإقامة من فرنسا إلى إيران أيام حربها مع العراق، مع أنّه سليل عائلة مدنية متحضرة على الطريقة الغربية، فوالده عبدالمهدي المنتفجي، نائب ووزير في الحكم الملكي وسعى إلى تعليم ولده في “كلية بغداد”، أرقى مدرسة أمريكية خاصة في العراق.

مع استقالته واصل عبدالمهدي كتابة مقالات مطولة في الاقتصاد والإدارة “لها علاقة بدراسته الماجستير في فرنسا” يغلب عليها الجو المثالي والنقد الضمني للحكومات العراقية بعد 2003 مع كونه جزءاً رئيسياً منها؛ إذ كان نائباً لرئيس الجمهورية لدورتين، ووزيراً للنفط.

ومع الأزمة التي عادة ما يشهدها العراق بعد كل انتخابات برلمانية، وتسمية رئيس الوزراء، طُرح اسم عبدالمهدي كمرشّحِ تسويةٍ لرئاسة الحكومة بعد انتخابات 2018، وهو ما شهد تأييد معظم الأطراف العراقية المختلفة، لا سيما أنّ الرجلَ كان بلا أيّ غطاءٍ سياسي، وجاء إلى سدة الرئاسة مستقلاً هذه المرة.

المفاجأة جاءت من طرف رئيس “تيار الحكمة” عمّار الحكيم، الذي بدا متبرماً من أداء حكومة يترأسها عبدالمهدي، المخلص الأمين السابق لآل الحكيم، فأعلن الزعيم الشاب تحوّل حزبه إلى المعارضة عبر استخدام كل الوسائل السلمية: المعارضة البرلمانية، التظاهرات الشعبية والتصعيد الإعلامي.

ويبدو أنّ للحكم سطوته وللسلطة شهوتها، فلم يرق ذلك التحوّل لعبدالمهدي بعد أن جرّب السلطة التنفيذية الكاملة في البلاد، فكتب في 16 تموز (يوليو) الجاري لزعيمه السابق ناقداً معاتباً محذراً، إنّ “الموالاة والمعارضة مفهوم غير دقيق وسيقود استخدامه في العراق لأخطاء منهجية خطيرة، ولعله نقل إلينا من التجربة اللبنانية وتجربة 8 و14 آذار (مارس) استناداً لبعض المتشابهات بين أوضاع البلدين”، محذراً مما “قد يقود لانزلاقات خطيرة.

فالعراق سعى لتأسيس نظام دستوري وديمقراطي، وهذا النظام ما يزال هشاً بكل تأكيد ولم يستقر تماماً بشكل نهائي، وما تزال تتداخل فيه الكثير من المحاصصة والطائفية ونزعات الشخصنة والسيطرة التي تحل، إما بليّ الأذرع أو بالتوافق، فإذا كرّسنا السير في نظام يقوم على الموالاة والمعارضة فسنكرّس واقعاً نعلن علناً رفضنا له، ناهيك عن تعارضه مع الدستور وسياقات النظام الديمقراطي”.

وعن سعي الحكيم وحزبه تسيير التظاهرات ضد الحكومة، استخدم عبدالمهدي لغة تحذيرية تكشف في الوقت ذاته عجز التجربة السياسية العراقية بعد 2003 التي كان هو أحد رموزها عن خلق ثقافة ديمقراطية حتى بأشكالها البدائية “لا يستطيع شخص أو جهة أن يسيطر على شارع فيه الكثير من الانفلات، حديث التجربة بالحريات والممارسات الديمقراطية، ومحاط بمنطقة غير مستقرة، ينتشر فيها حمل السلاح، في بلد قضى سنيناً اختلطت فيها المظاهرات السلمية بالسلاح، وحرق المقرات وسقوط مدن، ففي مثل هذه الأجواء يجب الحذر من التصعيد وتجنب الحافات التي قد يفلت فيها الأمن المجتمعي الهش من أيدي الجميع”.

وعن خيار الحكيم في التحول إلى المعارضة قال عبدالمهدي، “في هذا كله تبسيط ولا يمكن القفز عليه بسهولة، فالحكومة لم تأتِ إلا لفشل القوى السياسية الفائزة في الانتخابات في الوصول إلى أغلبية سياسية تنقذ البلاد من ورطتها، فاضطرت للتوافق مرة أخرى وفق صيغة لا تخلو من تعقيدات لا يمكن رميها الآن على الحكومة بمفردها، إنّها حكومة تسوية يراد منها حل الإشكالات الأمنية والاقتصادية والخدمية والإقليمية والدولية خلال أشهر من تشكيلها”.

انتظر زعيم “تيار الحكمة” عمّار الحكيم أربعة أيام ليوجه رسالة جاءت رداً على ملاحظات عبدالمهدي، وحملت لغة اختلطت فيها مشاعر الامتعاض من خروج “الابن الضال” بالتهكم من لغة كانت مثالية وناعمة لتتحول مع رئاسة الحكومة إلى التشكيك حتى بنوايا من أحسنوا إلى الرجل، الذي بات اليوم الحكم التنفيذي الأول في البلاد.

أوضح الحكيم سببَ التحوّل إلى المعارضة بقوله، “أسمى الأهداف التي دفعتنا إلى المعارضة هو حماية العملية السياسية من الاضطراب ومدها بأسباب الاستقرار، والمعارضة حاجة ضرورية في المجال السياسي وليست عبئاً أو مصدر إزعاج للسلطة أو للحكومة، ومطالباتنا المستمرة بتمكين المعارضة ليست مطالب متعلقة بـ”تيار الحكمة الوطني”، فالمعارضة مشروعٌ إستراتيجي أكبر من القوى السياسية التي تنضوي فيه اليوم، فالسلطة تداول، وحاكمو اليوم هم معارضو الغد والعكس صحيح أيضاً”.

لم يتوقف الحكيم عند هذا وحسب؛ بل لفت انتباه عبدالمهدي إلى مواقفه السابقة التي تختلف عن مواقفه اليوم كرئيس للحكومة “سيادتكم قد نظَّر وكتب العديدَ من المقالات في أهمية المعارضة السياسية، وأنتم اليوم أمام فرصة تاريخية لتنفيذ رؤاكم السابقة حول المعارضة وأنتم في صدارة المواقع الحكومية”، مشدداً على أن “مشاركة الجميع في الحكومة وخلو الساحة من وجود قوى معارضة واضحة، ستقود العمليةَ السياسية لامحالة إلى منزلق الأجندات المجهولة، والممارسات التخريبية، وردود الأفعال العنفية كما حصل في الأعوام الماضية”.

وانتقل الحكيم من لغة غير مباشرة إلى أخرى مباشرة في نقد الأوضاع العامة في البلاد، تتمثل في لغة ناقدة قوية “أعبر لسيادتكم عن قلقي الكبير ومخاوفي الجمة من استمرارية أوضاع البلاد على ما هي عليه الآن، فما أراه في الأفق ليس محدوداً في الظرف الراهن بل هي عاصفة قادمة تهدد النظام بأكمله. والفجوة الحاصلة بين القواعد الشعبية وبين الحكومات المتعاقبة تتسع يوماً بعد آخر لتشمل التشكيك والابتعاد والتراجع عن أصل النظام الديمقراطي والبرود الشعبي تجاهه”.

وحول مطلب عبدالمهدي في منح حكومته دعماً تستحقه، قال الحكيم، “مطالبة دعم الجميع للحكومة لن تعالج هشاشة النظام بل تزيده ركاكةً وعدم مصداقية، وتحديداً لخيارات المواطنين، مما سينعكس سلباً على الحكومة الحالية والحكومات القادمة والنظام السياسي برمته”، منتقداً المخاوف التي أظهرها عبدالمهدي من اللجوء إلى الشارع “المخاوف الأمنية المذكورة في رسالتكم ومنها انفلات الأمور وانجرارها إلى التخريب والحرق والعنف، هي مخاوف قائمة بوجود المعارضة وعدمه، وهي ممارسات تمت في الأعوام الماضية التي لم تكن المعارضة قد ظهرت فيها بعد”، في إشارة إلى تظاهرات البصرة الاحتجاجية في صيف 2018.

وردّ الحكيم على اتهام عبدالمهدي للموقف المعارض لحكومته وكأنّه سيكون مسؤولاً عن الغضب الشعبي غير المنضبط قائلاً: إنّ “وجود المعارضة الوطنية ليست السبب الرئيس في الانفلات الأمني المحتمل بل الأسباب الرئيسة تكمن في ضعف الحكومات المتعاقبة في تطبيق القانون وحصر السلاح بيد الدولة وتطوير المعالجات الأمنية”.

وتوعد الحكيم بخيارات تالية بالتزامن مع تواصل حلقات الفشل الحكومي “نؤمن بضرورة التدرج في الخيارات، فكلما استجابت الحكومة لمشروعنا التقويمي كنّا أكثر دعماً وإسناداً لها، وكلما تنصلت عن التزاماتها أو استجابتها لمطالبنا المشروعة دفعتنا باتجاه التصعيد في أدوات الضغط السلمية”.

وجاءت الجملة الأخيرة في رسالة الحكيم متضمنة لأقوى نقد يواجهه “المخلص الأمين” السابق لآل الحكيم فهي تقول له إنّك في رؤاك يوم كنت معنا ونسندك لتتبوأ أعلى المناصب غير الذي صرت عليه رئيساً للحكومة “نتمنى من سيادتكم أن تدعموا الخطوة الأولى ليس بالتشكيك والشبهات والمخاوف الملقاة من بعض الأطراف، بل بالرجوع الى أفكاركم وتنظيراتكم ورؤاكم التي عرفناكم بها رجلاً للدولة لا رجلاً للسلطة أو الحكومة الوقتية الزائلة”.

وكالات

486 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in رئيسي, سياسة.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments