عدنان القيسي .. صناعة الأسطورة الزائفة

اخبار العراق:

صادق الطائي

ما أن نقرأ أو نسمع كلمة أسطورة حتى تحيلنا إلى التأريخي والقديم، وربما اللاعقلاني من الأمور.

إلا أن اللغوي الفرنسي رولان بارت الذي كتب في حقل السيميولوجيا، تحليل النص، اللسانيات وعلم الاجتماع، اعترض على ذلك في كتابه “اسطوريات – أسطرة الحياة اليومية” الذي أصدره عام 1957 وتناول فيه فكرة أن للحاضر أساطيره مثلما كان للماضي أساطيره الخاصة به، إذن فالاسطورة ليست رهنا بالماضي، لأن أي مجتمع ينحو باستمرار إلى أسطرة اشيائه اليومية.

المفارقة أن الفصل الاول من كتاب رولان بارت المشار له يحمل عنوان “عالم المصارعة” حيث يفكك فيه سيميولوجيا نزالات المصارعة الحرة عندما تتحول إلى علامات يحاول قراءتها بطريقته الخاصة، وهذه هي الفكرة التي استوقفتني، هل يمكن أن يتحول مصارع إلى اسطورة في حياتنا المعاصرة؟ واقول نعم لقد حدث ذلك في العراق في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وكل العراقيين الذين عاشوا تلك الفترة يعرفون انني اتكلم عن عدنان القيسي، المصارع المحترف في عروض المصارعة الحرة غير المقيدة، والتي يعرف كل انسان اليوم انها اقرب إلى عروض السيرك او افلام الاكشن منها إلى الرياضة، فكيف تمت أسطرة الرجل ولماذا؟ وكيف اختفى فجأة ولماذا؟ وهل نحن بصدد تحرك في ارض نظرية المؤامرة أم لا؟

من المعروف أن رياضة المصارعة الحديثة لم تدخل العراق إلا في نهايات خمسينيات القرن العشرين، لكنها تمت بصلة إلى نمط من الرياضة الشعبية التي كانت معروفة في العراق وهي “الزورخانة”، وهي رياضة شعبية كانت معروفة ومنتشرة في العراق منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى اربعينيات القرن العشرين، و”الزورخانة” كلمة فارسية مكونة من مقطعين الأول “زور” ويعني قوة، والثاني “خانة” وهي ملحق يلحق بالمفردات بمعنى المكان الذي يمارس فيها الفعل، فتصبح الكلمة بمعنى مكان القوة او بيت القوة، وهو اشبه بالاندية الرياضة المعروفة اليوم، يشرف عليها “اسطوات” يدربون الشباب على نوع من المصارعة الشعبية المختلطة بطقوس دينية وموسيقى قريبة الشبه بالموسيقى الصوفية، قائمة على ضرب الدفوف وقراءة المدائح والتواشيح التي تغنى قبل النزالات، ويعتقد بعض الباحثين أن لذلك صلة بحركة الفتوة التي شاعت في نهاية العصر العباسي، وقد برزت في هذه الرياضة الشعبية اسماء اعتبر أصحابها ابطالا، ربما بقي الاكثر بروزا منهم الحاج عباس الديك، واذا ذكر اسم عباس الديك امام اي شيخ بغدادي اليوم سيكمله لك بالقول، “عباس الديك والألماني” او “عباس الديك والهر كريمر”، وهي اشارة لنزال مصارعة تم بين الحاج عباس ومصارع الماني قدم إلى العراق مدعيا انه بطل اولمبيا، وعندما القى الحاج بالالماني ارضا انطلق وابل من الرصاص وانطلقت الزغاريد معلنة فوز عباس الديك، أمام ذهول الهر كريمر، لان ذلك لا يعد فوزا في قوانين المصارعة الحديثة، وقد حضر النزال اهم رجال الحكم في حينها، رئيس الوزراء العراقي ياسين باشا الهاشمي ووزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني، كما حضر النزال الوزير المفوض لالمانيا النازية الهر غروبا، اقوى شخصية دبلوماسية في بغداد الثلاثينيات المشحونة بالتعاطف مع المانيا الهتلرية نكاية بالانكليز، وليكرم الملك غازي الاول وكتعبير عن اهمية الحدث “الحاج الديك” يوم الاثنين 18 نوفمبر 1935 ويهنئه بالفوز.

ويذكر سمير الشكرجي في مقال له “وتشاء الصدف أن يكون الهر كريمر، رحمه الله، استاذي في كلية التربية الرياضية فيما بعد وربطتني به علاقة حميمة، ليسرّ لي بأنه خسر النزال يومها مقابل حصوله على مبلغ من المال احتاجه لسداد ديونه في بغداد التي اقام فيها بعد هربه من المانيا”، اذ يشير العارفون بالامر أن الهر كريمر حصل على مبلغ “37 دينارا” وهو مبلغ يعد كبيرا في تلك الايام هي حصته وحصة الحاج عبـاس عن النزال، ليسدد ديون اقامته في الفندق وبقية احتياجاته الحياتية التي كان يقضيها بالاستدانة.

بعد سلسلة من انقلابات الجنرالات اختتم البعثيون عقد الستينيات بانقلابهم في 17 يوليو 1968 بمشاركة بعض الجنرلات النافذين، ثم ليتخلصوا منهم بعد اسبوعين في 30 يوليو، ولينفردوا بالحكم، وكانت تعوز البعثيين صورة البطل الاسطوري التي يفتقدونها في تجربتهم فليس لديهم نماذج يمكن أن تكون ايقونة للشباب في العراق، الذي كان يشهد تمردين في آن، التمرد الكردي في شمال العراق بقيادة الشخصية الكارزمية الكردية ملا مصطفى البارزاني وتمرد الجنوب ويقوده تيار منشق عن الحزب الشيوعي العراقي الرسمي، عرف باسم “القيادة المركزية” التيار الذي انتهج نمط امريكا اللاتينية المسلح في قتال النظام، متخذا من غابات القصب في اهوار الجنوب ملاذا آمنا، ومفرزا شخصيات كارزمية ربما يقف في مقدمتها المهندس خالد أحمد زكي المناضل الماركسي الذي ترك لندن وعمله سكرتيرا للفيلسوف البريطاني برتراند رسل ليلتحق بالثورة المسلحة في الجنوب، ليقتل هو ورفاقه على يد عسكر النظام.

ولا احد يعلم هل قرأ صاحب فكرة اسطرة مصارع مغمور كتاب بارت او عرف قصة الحاج الديك والالماني، في بلد لا يعرف هذا النوع من العروض ليتفق مع عدنان القيسي، وهو شاب عراقي قادم من الولايات المتحدة لزيارة اهله عام 1970 والعودة إلى مستقره في امريكا حيث ابتدأ للتو مشواره في الاحتراف في المصارعة، فيتلقفه النظام وتسوق حملة دعاية تسخر لها كل امكانات الدولة، فقناة التلفزيون الوحيدة تنقل النزالات مباشرة ليشاهدها من لم يستطع الذهاب إلى ملعب كرة القدم المركزي في بغداد “ملعب الشعب” حيث كان يحضر ما لا يقل عن ستين ألف متفرج، ويحضر النزالات نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع وعدد من الوزراء بل حتى شبلي العيسمي الامين العام المساعد لحزب البعث واحد مفكريه، يعزف السلام الجمهوري في بداية النزال، والتلفزيون يذيع خبر تنافس البطل العراقي مع المصارع العالمي بطل اسكتلندا “كوريانكو” أو بطل إنكلترا “جون ليز” او بطل فرنسا فريري، والتنافس على بطولة اوروبا، ولا أحد يتساءل ما دخل العراق في بطولة اوروبا، او هل لهذا النوع من المصارعة بطولة عالمية اصلا، لينتهي كل نزال بفوز البطل العراقي على ابطال العالم وليحوز على الحزام الذهبي الذي من فرط شهرته أُنتج نوع من القماش لفساتين السيدات اسمه حزام عدنان القيسي، الذي اصبح نجم نجوم المجتمع وهو يتنقل في محافظات العراق ويجري نزالات تبهر الجمهور في عدد من المحافظات، وتصب الاف الدولارات في جيوب مصارعين مغمورين من الدرجة الثالثة من محترفي عروض المصارعة الحرة في اوروبا وامريكا.

النظام من جهة اخرى يصفي حساباته مع الخصوم والاصدقاء فيحل ازمة التمرد الكردي بالاتفاق اولا ثم بعقد اتفاقية مع شاه ايران الذي اوقف دعمه للاكراد فينهار تمردهم، ويتم احتواء الحزب الشيوعي “الرسمي – اللجنة المركزية” في ما عرف بالجبهة الوطنية عبر إشراك بعض رموزهم في الحكم، ويقمع الثوريين منهم وتنتهي حركة (القيادة المركزية) في ظهور قائدها عزيز الحاج على شاشة التلفزيون مدليا باعترافات مخزية ليرسل إلى باريس ممثلا للعراق في اليونسكو، ويفتح الباب للشباب اليساري الثوري للانضمام جماعات وافرادا إلى فصائل فلسطينية مسلحة مثل، منظمة التحرير الشعبية ومنظمة التحرير الديمقراطية او حتى منظمات مسلحة عربية يسارية التوجه مثل جبهة تحرير ظفار في سلطنة عمان، ولم تعد هنالك حاجة لأسطورة المصارع، فكما يقول رولان بارت في كتابه “أسطوريات”، إن” المصارع يقدم مشهدا للهزيمة والعدالة، حيث يعرض ألم الانسان كما تعرض الاقنعة المأساوية في المسرح الاغريقي الكلاسيكي”.

لقد كان عدنان القيسي يقدم مشهد انتصار البطل على اعدائه الممثلين لبلدانهم او حضارتهم وحينما يصرخ الجمهور فانه يطلب العدالة المحايثة، لذلك تثير الضربات ومشاهد الالم فرحا غامرا لدى المتفرجين، إن الاجساد البيضاء المترهلة التي تتساقط تحت ضربات “البطل العراقي” هي التي خلقت أسطورة زائفة، صنعت وسوقت بديلا عن نماذج اسطورية حقيقة مثل جيفارا وهوشي منه وباتريس لومامبا، أو حتى نماذج ايقونات الفن او الثقافة الستينية مثل جون لينون وفرقة البيتلز وغيرها من رموز شباب الستينيات، وعندما انتهى دور الاسطورة الزائفة وتم استهلاكها اختفى المصارع الخارق فجأة واصبح من المحظورات، حتى أن التلفزيون الرسمي كان قد منع اذاعة نزالات المصارعة الحرة العالمية، كما هو الحال في تلفزيونات الخليج حديثة الولادة حينذاك، وكأن المنع كان مقصودا لكي لا يكشف زيف الاسطورة، ليدخل المجتمع في اسطورة زائفة اخرى، وهذه المرة كانت اسطورة السفاح الخارق الذي يمكن أن يقتل الناس بيديه المجردتين، والذي عرف شعبيا في العراق باسم “ابو طبر” ولهذه الاسطورة حكــاية اخرى من اساطير الحياة اليومية في العراق.

وكالات

1٬584 عدد القراءات
1 1 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments