عراقيون وفلسطينيون ……مرة أخرى

اخبار العراق:

كامل عبد الرحيم

مادمت تكتب كل يوم، مقالاً طويلاً “حتى لا أقول مختلفاً”، ويقدم مادة جديدة كما نتمنى ، ويحظى بتفاعل معقول، فمن الطبيعي، هناك من يحتج أو يعترض وحتى يشتم أو يشكك، وفي الحقيقة نحن حتى وبعد دخولنا العقد السابع من العمر، نظل في إعادة صياغة لأفكارنا، أو على الأقل النظر إليها من شرفة جديدة أو زاوية مغايرة وما سنكتبه اليوم، قد يكون استكمالاً لوصلة الأمس عن “سمير جعجع”، والتساؤلات حول دور النظام العراقي في الحرب الأهلية اللبنانية لكن دافعاً آخر ساهم في الكتابة.

قبل أيام قامت قناة “الميادين” بتكرار برنامج عن الجزائريين والفلسطينيين، والدعم غير المسبوق للجزائريين لإخوانهم الفلسطينيين، وكانت الشعلة التي أوقدت حماسة الميادين، هي مباراة بكرة القدم بين الفريق الفلسطيني والجزائري، قام فيها الجمهور الجزائري بالتشجيع للفريق الآخر وحمل العلم الفلسطيني، وقد شعرتُ بالغبن “لأن أكثر شعبين احتضنا القضية الفلسطينية، هما الشعبان العراقي واللبناني”، فالحقيقة، ورغم كل ما حصل من علاقات أساء فيها العراقيون للفلسطينيين، أو بالعكس، قام هؤلاء بجرح مشاعر الأولين، فهي غيمة عابرة في العلاقة بين العراقيين والفلسطينيين.

ولنعود إلى تسلسل موضوعنا، حيث بدأ الافتراق بين النظام العراقي السابق البعثي، والقضية الفلسطينية، منذ العام 1970، عندما كان الجيش العراقي يمتلك قوة قد تصل لفرقة أو أكثر مرابطة في الأردن وقريبة من المخيمات الفلسطينية أو المدن الأردنية، وعندما حصلت أحداث أيلول الدامية، وبدأت الكفة تميل بوضوح للجيش الأردني وحصلت حملات إبادة وكسر عظم، توقع الكثيرون أن يكون للجيش العراقي موقفٌ ينسجم مع الشعارات القومية والوحدوية لهذا النظام وعقيدة الجيش نفسه، لكن القيادة العراقية أعطت الأوامر بعدم التدخل، ما شكّل خيبة كبيرة عند ضباط وجنود هذا الجيش وعند المنظمات الفلسطينية أيضاً، ما دفع بالعديد من مراتب هذا الجيش بتركه والانضمام إلى تلك المنظمات، ومنهم على سبيل المثال، صديقنا “أبو درع” رحمه الله ، الذي تقدم في قيادة فتح الميدانية، وكذلك في تنظيمات القيادة المركزية.

وبالمقابل، حاول النظام السوري، قبل انقلاب “حافظ الأسد” عام 1971 على رفاقه، بمحاولة دعم المقاومة الفلسطينية في محنتها، فأرسل “إسقاطاً للحجة” لواءً مدرعاً، لكن الجيش الأردني “سمطه” ما أن أطل برأسه من مدينة درعا الحدودية.

وعندما انتقلت منظمات المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، وهذا ملف مستقل بحد ذاته، حيث احتضنها الشعب اللبناني، وفي نفس الوقت أثارت حفيظة الأحزاب “الانعزالية” المارونية، وفي الفترة الممتدة بين العام 1971 والعام 1979، كان الصراع بين القيادتين البعثتين، السورية والعراقية، لم يصل إلى كسر العظم، الذي حصل بعد عقد لواء القيادة المطلقة لصدام حسين وعزل أحمد حسن البكر وتصفيات قاعة الخلد، على الجانب السوري، كان السوريون يرفعون شعار دعم المقاومة، لكنهم يضطهدون أغلب تلك المنظمات على الأرض السورية، ولهم منظمتهم الخاصة على كل حال “الصاعقة”، والعراقيون، أبعد نسبياً، فهم أيضاً يرفعون شعار الدعم، لكن تدخلهم أقل فعلياً، وأسسوا أيضاً تنظيمهم الخاص “جبهة التحرير العربية” لكنها أقل شأناً من “الصاعقة”، وكانت سوريا كدولة تنظر بعين الريبة إلى لبنان بشكل عام، وترفض فتح سفارة لها في لبنان، وظل موقف المراقب والإدعاء بالدعم حتى العام 1976، حين مال ميزان القوى بشدة في الحرب الأهلية اللبنانية إلى جبهة القوى الوطنية وهو التحالف بين القوى الوطنية والإسلامية واليسارية والمنظمات الفلسطينية وكان يقوده كمال جنبلاط وهو رمزه.

ففي العام 1976، تقدمت تلك القوات لتقتحم معاقل ومدن وبلدات الطرف الآخر حيث كانت معركة “الدامور ودير القمر” وهي المعقل للمارونيين وقتذاك ومركز تنظيم “الوطنيين الأحرار” التابع لكميل شمعون وحلفائه “الكتائب”، وفي معركة “عيون السيمان”، وفيها قمة جبل حاكمة وحاسمة وقد تمكنت منها القوات الوطنية تدخل الجيش السوري و كشف النظام السوري عن سياسته وأهدافه البعيدة وقد نجح هذا النظام بتطويع “الجامعة العربية” ليكون تدخله تحت عنوان “قوات الردع العربية” وقوامها سوري بنسبة 95% وسرعان ما تحول إلى 100 %، وكانت سياسة النظام السوري أن لا غالب ولا مغلوب هذا من جهة، ومن جهة أخرى دس هذا النظام أنفه ليشق كل طائفة وجهة على حدة فكان له من السنة أنصار وفي الشيعة أتباع وكذلك امتد إخطبوطه نحو التنظيمات المسيحية فكان يدعم هذه ويعقد تحالف مع تلك ولم يخض معركة حقيقية إلا مع الجنرال ميشيل عون وتلك قصة أخرى ولما لم يجد أذناً صاغية عند “الدروز” لم يتردد بقتل رمز هذه الطائفة وقائد القوات الوطنية كمال جنبلاط ولم ينجح النظام السوري بإقامة “الضد النوعي” الدرزي إلا في الأعوام الأخيرة فكان طلال أرسلان ووئام وهاب وقد يعود هذا للسياسة المرتبكة لوليد جنبلاط وريث أبيه الذي ما حافظ على إرثه.

وكان النظام العراقي البعثي يراقب من غير أن يكون له دور حاسم لكن عند اشتداد الصراع بين النظامين البعثييّن بعد نجاح صدام حسين في الانفراد بالقيادة تدخل هذا النظام بشكل سلبي فأخذ بدعم حزب الكتائب والقوات اللبنانية سراً ليتحول هذا الدعم إلى العلن، فقام بإرسال المال والسلاح إلى تلك القوات مع استمرارية إدعائه بدعم القضية الفلسطينية وأخذ بتصفية العناصر القيادية العراقية المعارضة لنظامه والتي تمتلك مهام قيادية في تلك المنظمات وكانت من أول وأهم تلك الجرائم اغتيال القائد “أبو الفهود” مطر لازم وهو شيوعي من تنظيم القيادة المركزية، وقيادي في “فتح”  تنظيم صيدا، حيث تمت جريمة اغتياله العام 1977 ليعقبها بجريمة اغتيال “عادل وصفي” ومن ثم الشهيد “تحسين الشيخلي” وغيرهم الكثير، ولم يكتف هذا النظام بهذا بل قام بإرسال متطوعين من منظمات البعث ليقوموا بالقتال الفعلي مع الكتائب والقوات اللبنانية حيث تصل سفن خاصة له ترسو في ميناء جونيه الواقع تحت سيطرة الكتائب والقوات اللبنانية واستمر هذا الدعم متصاحباً مع مناوشات و صراعات هنا وهناك من فصولها الدامية صراع الاغتيالات بينه وبين منظمة فتح وكان مسرح هذه الحرب مفتوحاً على كل العواصم العربية والغربية وغيرها وعند تعقيد الوضع واختلاط الألوان، خصوصاً بعد قيام حكومة ميشيل عون التي حاربها النظام السوري والقوات اللبنانية على حد سواء كان النظام العراقي يدعم “دولة” الجنرال عون على كل الأصعدة، ونظراً لطول هذه الوصلة وخصوبة الموضوع نتوقف هنا، على أمل التكملة في وصلة أخرى.

وكالات

418 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments