عن المجتمع العراقي والدم والتحولات الكبرى

اخبار العراق:

محمد البدر

كتبَ الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) ذات مرة يقول (إن كل أزمة تقوم بدقة على حقيقة أساسية مفادها أن القديم يحتضر، والجديد تستعصي عليه الولادة. وضمن هذا الإنقطاع بين القديم والجديد، تظهر كمية هائلة من الإعتلالات).

يوم قررنا-المجتمع العراقي- مناصرة القضية الفلسطينية في أربعينيات القرن الماضي عمدنا إلى إخوتنا في الوطن من يهود العراق فإرتكبنا بحقهم جريمة استهداف جماعي وهي ما يعرف بحادثة (الفرهود)، كانت ردت فعلنا حينها عنيفة، دموية، قبيحة و بائسة.

ويوم قررنا في 1958 التحول من القديم -الملكية- إلى الجديد -الجمهورية- رافق ذلك التحول نهراً من الدم وإعتلال كامل البلد وإبادة عوائل وأشخاص فقط لمجرد إنتماءهم للماضي وإحتكار الوطنية والولاء بالتوجه الأشتراكي.

ويوم قررنا في 1963 التحول من العهد الجمهوري الإشتراكي الشيوعي إلى الجمهوري الإشتراكي القومي حصلت مذابح جماعية وبدأت أولى بذرات إحتكار الدولة والسلطة والوطنية بفئات معينة وتوجهات معينة ومن يخالف يُراق الدم وحصلت حفلات الإقصاء والدم.

ويوم قررنا في 1968 التحول من العهد الجمهوري الإشتراكي القومي إلي الجمهوري الإشتراكي القومي بصيغته البعثية جرت كذلك أنهار الدم وأقيمت حفلات الإقصاء والتخوين حتى بين البعثيين أنفسهم.

ويوم قررنا في 1979 التحول من حكم البعثي أحمد حسن البكر إلى حكم البعثي صدام حسين حصلت كذلك كالعادة حفلات الموت و الإقصاء والتخوين وجرت أنهار الدم من 1979 إلى 2003 وكلها بإسم الثورة والوطن والوطنية.

لم يُسفك دم في العراق مثل ما سُفك بإسم الوطنية.
وتحصل حفلات تخوين مثل ما حصلت وتحصل بإسم الثورة.
ولا زلنا نرتكب نفس الأخطاء ونقيم نفس الحفلات، حفلات الإقصاء والتخوين و إتهام الآخر وإحتكار الوطنية.
نحن ومنذ 1958 لم نحسن بناء دولة قوية ومجتمع مستقر بسبب تحولاتنا الكبرى وإنقلاباتنا الجذرية وما نقيمه كل عقدين من حفلات الدم والإقصاء.
هذا التطرف في المواقف والعبثية في الخطوات وتسليم العقل والمنطق بيد الشعارات هو الذي حطمنا وارجعنا ألف عام للوراء.

عمل الشيوعيين على سحل وإقصاء وتخوين الملكيين ثم جاء القوميين وفعلوا بالشيوعيين نفس ما فعل الشيوعيين بالملكيين ثم جاء البعثيين وفعلوا بالقوميين نفس ما فعل القوميين بالشيوعيين وكل هذا بإسم الوطنية وتحت سيل من الشعارات والثورية فعل رأيتهم عبثية أكبر من هذا والكارثة إن هذه العبثية لازالت مستمرة حتى اليوم.

جربنا التحولات الكبرى والإعتلالات والإنقلابات والإقصاء والتغيير الشامل المفاجيء، هل لنا أن نجرب ولو لمرة واحدة فقط التغيير التدريجي الهاديء وترك خطاب الكراهية والتخوين ومغادرة لغة الشعارات والثوريات العبثية.

اليوم
لماذا نتعالى على الواقع ونهرب نحو شعارات وخطب تكون محصلتها دفع المزيد من الدماء الغالية.

لماذا لا نتعلم من أخطاء الماضي وهفواته.

لماذا لا نتجه لتأسيس أحزاب وحركات سياسية وطنية ليبرالية يكون عمادها تغليب المصلحة الوطنية وركيزتها الهوية الوطنية العراقية ونحتكم لصناديق الاقتراع فقد احتكمنا طويلاً للشعارات والخطب ولم ننتج غير عجائز يكتبون مذكراتهم نادمين على تمسكهم بالشعارات وترك الواقع.

 

27 عدد القراءات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن