كيف نجتث الفساد الإداري والمالي في العراق؟

اخبار العراق: علي الشرع

النصيحة الأولى لا بد ان تكون انه بواسطة تطبيق الشفافية سنجتث الفساد المالي والإداري. لكن الحقيقة الواقعة هي ان الفساد الإداري والمالي قد ترسّخ وانتشر في المؤسسات العامة والخاصة الى درجة كبيرة لا اظن بعدها ان يكون لتطبيق الشفافية أي اثر في اجتثاثه؛ لأن الشفافية تعني ان اتاحة وتوفير المعلومات والبيانات لمن يطلبها لا اكثر من هذا.

فاذا طرحت مؤسسة تابعة للقطاع العام مناقصة او أعلنت عن حاجتها الى موظفين فيمكن للجميع الاطلاع على الشروط والتقديم عليها ولكن يبقى القرار بيد المسؤول عن تلك المؤسسة، فهو من يفرز ويختار مَن يريد من مقدمي الطلبات مع تساويهم او عدم تساويهم في تلبيتهم الشروط المطلوبة في التعاقد، فيفضّل احدهما على الاخر بناء على حجم المبلغ المدفوع كرشوة لا انه يختارهم اما حسب الكفاءة او بشكل عشوائي بحيث يتساوون بفرص الحصول على وظيفة معينة او مقاولة، فالتنافس يكون على أساس الرشوة المقدمة لا غيرها.

ولكن هذا لا يحدث بالطبع في القطاع الخاص ففساده يتجلى في امر اخر وهو رداءة نوعية انتاجه وغشه في المواصفات حتى مع تقديم الدعم الحكومي له من خلال منع الاستيراد او فرض تعرفة جمركية مرتفعة، والغريب ان هناك منتجات محلية اذا ما تمت مقارنتها مع المنتج المستورد تجد انها تباع بنفس السعر ومن ثم لا حاجة لمنع استيرادها، ولكن الخشية من ان يذهب المستهلك العراقي الى المنتج الأجنبي ويترك المنتج المحلي دليل على رداءة المنتج المحلي وعدم قدرته على المنافسة، والمثلجات مثال واضح على ذلك.

والحقيقة انه لا تلازم حتمي بين الشفافية وانعدام الفساد بحيث يمكن التصور انه في حال غياب الشفافية فأن الفساد في المعاملات سيطفو على السطح، فربّ مجتمع لا تخضع معاملاته للشفافية ومع ذلك لم يتحول الفساد فيه ليكون ظاهرة واضحة ومن امثلتها بعض الأنظمة الدكتاتورية.

ففي ظل النظام المباد مثلاً كان التعدي على المال العام خارج اطار دائرة النظام وحاشيته قليل جداً كونه يعد من وجهة نظر النظام تحدي للسلطة وليس تعدي على ثروة المجتمع فهذا غير مهم بالنسبة له، ولكن اثناء الحصار سمح النظام بالفساد المالي (خاصة الرشاوى) على نطاق واسع في خطة مدروسة لجعل المجتمع يأكل بعضه بعضاً بحيث نتج عن ذلك تلوث نفوس الكثير من الناس لا سيما اولئك العاملون في المؤسسات الحكومية.

وورثنا هذه الافة من ذلك العهد الظالم وتفاقمت بعد ان امتدت الى جميع مفاصل الحياة ورعته كتل سياسية ومتنفذين وأصحاب مصالح متبادلة ومتآمرون على الشعب العراقي.
واجتثاث الفساد المالي والإداري يحتاج الى الدعم والمساندة من جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية، لكن محاولات استئصاله ستجهض وستحدث ردة فعل سلبية ان قام مسؤولاً ما في الدولة بتصرف يخالف فيه الاتجاه العام الموجّه ضد الفساد.

فمثلاً ما قام رئيس اعلى سلطة تنفيذية في البلاد والمسؤول الأول عن محاربة الفساد والفاسدين وهو السيد عادل عبد المهدي بتعيين مستشارة له لحقوق المرأة هي بنفسها تعترف بصراحة” انهم (أي النواب) شبعوا من الكومشنات”، وعاقبها الشعب فلم تنل ثقته في الوصول الى مجلس النواب الحالي، ومع ذلك يستغفل رئيس الوزراء الناس ويهزئ بإرادة الشعب ويضعها في هذا الموقع رغم انوف الجميع (حتى وان كانت استشارتها مجانية)، فكيف لنا ان نثق به في مسعاه المزعوم لاجتثاث الفساد!

وصار واضحاً لدى الجميع ان اجتثاث الفساد في بلد أنهكه الفساد ودمر الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة والخاصة وليست العامة فقط -التي هي أساس في بناء الدولة- ليس كافياً لتحقيقه ان نطلب من المسؤولين في الدولة تقديم كشف ذمة مالية او تطبيق الحكومة الالكترونية. فعدد من وزراء حكومة السيد عبد المهدي غشّوا رئيسهم ولم يخبروه انهم متهمون بالفساد ومشمولون بإجراءات المسائلة والعدالة، فكيف لنا ان نثق بهم عند كشف ذممهم المالية؟ .

ونظرا لتعقيد الوضع في محاربة الفساد فأني اظن ان السيد عبد المهدي يرى ان ما نّهب من أموال قد نهب وغرقت في بحر الظلمات ولا سبيل لاستردادها وعلى الجميع اليأس من ذلك، وان الحل هو في التقليل من الفساد في المرحلة المقبلة. لذا انشأ مجلس مكافحة الفساد لهذا الغرض لا غير، وهو ما يفسر عدم تحركه على أصحاب المولات الذين وقف امام بيوتهم الجمهور الغاضب وحرق مولاتهم ليسألهم عن مصادر أموالهم لا سيما انهم كانوا من الفقراء ويسكنون في بيوت مؤجرة.  ولكن كيف لهذا المجلس ان يقلل من الفساد؟ هل يعتمد على زيادة الشفافية ام على كشف الذمم المالية ؟ ام على ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي ام تقارير هيأة النزاهة والرقابة المالية؟ ام يضع كاميرات تراقب كل شخص في العراق؟ فكل ما تقدم من وسائل (ما عدا الأخيرة المستحيلة التطبيق) لم يجد نفعا لحد الان بسبب وجود التواطؤ، لذا فأن مراقبة كل العراقيين بما يشبه عمل مراقبة الكاميرات من قبل مجلس مكافحة الفساد هو الحل الاسلم، وقد يتحقق فيه غرضين في آن واحد هما: كشف الأموال المنهوبة والتقليل من الفساد في الوقت الحاضر والمستقبل، ولكن كيف تتم هذه المراقبة؟.

دعنا ننطلق من البديهة التالية هي ان الفساد عموماً يترجم عادة اما الى مبالغ نقدية او موجودات مادية كالسيارات والعقارات والاثاث وسواها. والسيارات والعقارات ممكن مراقبتها، اما المبالغ النقدية فيمكن مراقبتها اذا تم تحويلها الى عملة صعبة سواء بقيت في البلد او حولت الى الخارج، اما اذا لم تحول وبقيت بالدينار العراقي فلها حساب اخر. وعلى مجلس مكافحة الفساد ان يكون تحت يده قاعدة بيانات موحدة تضم كل من وزارة المالية (رواتب وضرائب وارث) والتسجيل العقاري والمرور والمصارف ومكاتب الصيرفة والتحويل المالي ووكالات بيع السيارات والبلديات وغرف التجارة والصناعة…الخ.

وعمل المجلس من خلال الاستعانة بخوارزمية هو مراقبة التغييرات التي تطرأ على بيانات كل شخص موظف كان ام غير موظف في الدولة ومقارنته بمستوى دخله السابق. مثلا اذا سجل احدهم باسمه عقار جديد او سيارة جديدة لا بد من معرفة هل يسمح له دخله الشخصي ان يشتري هذا العقار او السيارة؟ ام ان شخصا اخر سجّل هذه الأشياء باسمه كي لا يكتشف امر فساده؟.

فاذا كان دخله لا يسمح بذلك نبحث عن صلة القرابة بينه وبين اخرين من المسؤولين، واذا لم يكن حصل عليه من خلال الإرث او من خلال تحويلات خارجية لابد من مسائلته حتى نقف على حقيقة الامر. ويمكن تطبيق هذه الطريقة بأثر رجعي والبحث عن الفاسدين المتخفين تحت أسماء أخرى في الداخل والخارج وستكون بنفس الوقت طريقة فعالة وناجحة في استعادة الأموال المنهوبة سابقاً على الرغم من ان فساداً قد يضرب مجلس مكافحة الفساد ايضاً عند تطبيق هذه الطريقة وتحدث المساومات وغض نظر بينه وبين الفاسدين ولكن سنفترض ان أعضاء مجلس مكافحة الفساد هم على مستوى عال من النزاهة وسجلّهم ابيض ناصع ولن يحدث أي خرق.

اخبار العراق

1٬220 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments