كيف نمنع السقوط في الفوضى؟

اخبار العراق: كتب سليم الحسني

طرح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دلاس مصطلح (سياسة حافة الهاوية)، في بدايات الحرب الباردة، وقد كان دلاس أحد أقطابها البارزين.
خلاصة رؤيته، التصعيد الى الحدود القصوى، بحيث يضطر الخصوم أو المنافسون أو المحايدون الى الاقتناع بأن الكارثة ستحل بالجميع، فتدفعهم السلامة الى التراجع أو القبول بك.

كانت سياسة حافة الهاوية مستخدمة في حقب تاريخية موغلة في القدم، فهي من نتائج العقل السلطوي في أوقات الأزمات الخطرة، لكنها مع جون فوستر دلاس وبعده، صارت أكثر تطوراً وبراعة في الاستخدام.

ما فعله عادل عبد المهدي، أنه أقنع بـ (حافة الهاوية) الأطراف المشاركة في العملية السياسية بأنهم معه في المصير، وهنا كسب دعمهم. وهذا ما يفسر لنا المبالغة في العنف والاسراف في القتل الذي تعامل به مع المتظاهرين منذ اليوم الأول. لقد أدرك أن التظاهرات ـ قبل انطلاقها ـ ستكون نهايته، لذلك فانه عندما كان يُظهر عدم المبالاة بشأن التقارير التي تتحدث عن موعدها في الأول من تشرين، إنما كان يضمر خطته التصعيدية للوصول الى حافة الهاوية، فهي حصنه المنيع الذي يوفر له الأمن والبقاء، وقد نجح بخداع الكتل السياسية أو أنه فرض عليها التمسك به.

لكن نقطة المجازفة هنا أن خصمه هو جمهور المتظاهرين، وهو جمهور عريض أثبت قدرته على الحضور الميداني والإصرار على الموقف الرافض، ويريد رمي رئيس الوزراء والمنظومة الحاكمة في الهاوية، وهذا ما يجعل المواجهة تسير باتجاه بالغ الخطورة، فلحظة طارئة قد تضرب العراق، وينهار كل شي، وعندها يسقط البلد في الفوضى، وستكون ـ لا سمح الله ـ فوضى بركانية يختلط فيها اللهب بالدم.

إن الاتفاق على إبقاء عادل عبد المهدي من قبل الكتل السياسية، يُعدّ مجازفة غير ناضجة، يترجح فيها احتمال الانهيار بشكل كبير، لسببين رئيسيين:

الأول: إن عادل عبد المهدي لن يقوم بإصلاحات حقيقية، باعتبار أن الإصلاح الحقيقي يعني خسارته للطبقة السياسية التي تدعمه، وهو يريد الإبقاء على دعمها له، لذلك سيعمد الى إصلاحات شكلية يُبقي فيها التوازن القائم مستمراً لأطول فترة ممكنة.

الثاني: إن الهدوء لم يعد في صالح عادل عبد المهدي، لأنه يعني إمكانية تفكير الأطراف السياسية في البحث عن بديل، لتجاوز تبعات ما حصل في فترة التظاهرات، ولكي يقضي على فكرة البديل، فان من مصلحته أن تكون الأوضاع في الدائرة القلقة، فالوضع القلق هو منطقته المحصنة الآمنة.

في ضوء هذه المعطيات، فان الحل الأنسب للعراق، هو الدخول بأسرع وقت في البحث والاتفاق على بديل يخلف عادل عبد المهدي، ويتولى هذا البديل عملية الإصلاح. وفي هذه الحالة لن يكون العراق أمام مخاطر الانزلاق في الفوضى، ولا في أجواء التغييرات الانفعالية لأسس النظام السياسي.

أما القول بفترة الفراغ واحتمالاتها المخيفة فيما لو استقالت الحكومة الآن، فأن هذا الحل ليس فيه فترة فراغ، إنما هو بداية عملية لمنع الانهيار الكامل، وترميم المتهدم.
١٨ تشرين الثاني ٢٠١٩

اخبار العراق

223 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments