نكهة الأعياد العراقية.. هل تغني التكنولوجيا عن الطقوس الاجتماعية؟

اخبار العراق: بينما يُحيي المجتمع العراقي، طقوس العيد بهذه الأيام، ويتبادل الناس التهنئة فيما بينهم وسط أجواء من البهجة التي يحاولون خلقها، يتبادر إلى أذهان الناس استفهامٌ حول أهمية هذه المناسبة، وطقوسها، وما يماثلها من مناسباتٍ وأعيادٍ دينية تحمل أبعادًا مختلفة، وتنعكس آثارها على الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في الحياة العامة.

وبين من يتخذ عيد الأضحى تحديدًا بوصفه مناسبة دينية، أومن يَعدُّه موروث اجتماعي ضمن سياق الشعور الجمعي يدور محور ذلك الاستفهام، بالإضافة إلى مواجهة العيد تغييرات كبيرة، لتأثره بالأحداث السياسة والاجتماعية.

ولم يتخلص العيد من التراجع العام في الحياة العراقية، حيث لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من وضع خطة أمنية واقتصادية تضمن تمتع الناس بمظاهر العيد، بل على العكس، فما يراه المواطن بمثل هذه المناسبات، شلل الحركة التجارية المرتبطة بشكل مباشر بحياة الناس بشكل عام لفترة قد تتجاوز الأسبوع، فضلًا عن ارتفاع ثمن السلع، بالإضافة إلى أزمة الاختناق المروري وتقييد الحركة، بالرغم من تراجعها نسبيًا في السنوات الأخيرة.

فيما يتساءل مواطنون وسط أجواء عيد الأضحى، مع وجود التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، هل لا زال للأضحى فلسفته الدينية، والتي تمثل قيمًا عُليا حينما تدعو للتكافل والتآزر ومساعدة الفقراء والمحتاجين.

أن الاختلاف الحاصل في مظاهر الدين عامة، والعيد خاصة عمَّا هو متعارف عليه، يرجع إلى تعرّضه لعدّة تغييرات خلال السنوات الأخيرة تعود لاختلاف عوامل الزمن وإدخال التكنولوجيا بمختلف جوانب حياة الفرد، حيث يتبادل الناس التهنئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أدّى إلى تفكّك الأواصر الاجتماعية بين الأفراد، فيما يرى آخرون أن التهنئة الإلكترونية تغني عن لقاء الأهل، ومتابعة كافة طقوس العيد، وبين الماضي والحاضر يقول ناشطون عراقيون إن نكهة العيد التي تشكلت ملامحها في الذاكرة منذ الصغر تراجعت، لكنها فرصة ثمينة لإعادة فرحته وسط أكوام الهموم والأزمات التي تشهدها البلاد.

ومن بين الأمور التي حافظ المجتمع العراقي عليها، تقديم الأضحية خلال عيد الأضحى، خاصة وأن العراق في السنوات الأخيرة، شهد أعدادًا كبيرة من الأموات والضحايا، منذ الاحتلال الأمريكي إلى الحرب على “داعش” بكل تجلياتها، الأمر الذي ينتهزه التجّار لرفع أسعار المواشي، بالإضافة إلى المواد الأخرى المتعلّقة بطقوس الأضحية، كالأغذية وغيرها، بحسب أحد المواطنين.
“ألترا عراق”، استطلع آراء الشباب من مختلف التوجهات الدينية، لمعرفة نظرتهم للعيد بين الماضي والحاضر، وهل هو مناسبة دينية أم اجتماعية، بالإضافة إلى دور مواقع التواصل الاجتماعي في القضاء على “نكهة العيد” عراقيًا.

“أليكس مازن”، وهو شاب عراقي مقيم في السويد، يقول إن “الأعياد الدينية بشكلٍ عام، وعيد الأضحى بشكلٍ خاص تتمحور حول إعادة إحياء المناسبات القديمة، لكن بطابع ديني بحت، وما تمثله الأعياد من امتزاج الثقافة الاجتماعية مع الثقافة الدينية من قديم الزمان هو السبب في عدم اندثار طقوس تلك الأعياد حتى يومنا هذا”، مضيفًا أن “العيد ليس حكرًا على المسلمين، ولا يُعدُّ طابعًا اجتماعيًا فقط، أي إنَّه ناتج عن امتزاج الثقافتين الدينية والاجتماعية”.

بينما يرى رسلي المالكي، وهو كاتب وروائي، أن “معظم المناسبات الدينية ترتبط بتقاليد وطقوس شعبية متوارثة جعلتها بمرور الوقت تتحول إلى طقوس اجتماعية وفلكلورية، أكثر من كونها دينية، منها طقوس رمضان والأعياد الإسلامية وطقوس عاشوراء وغيرها”، مبينًا “لذلك نجد أنَّ حتى من هو غير مسلم يشترك بها معظم الأحيان لأنَّها موروثات تطغى عليها الصِبغة الاجتماعية الفلكلورية أكثر من الدينية، رغم أنَّها دينية بالأساس”.

وهو الأمر الذي تؤكده الباحثة “سارة رائد”، إن “المجتمعات العربية عامة والمجتمع العراقي خاصة، مجتمعات دينية مغلقة، لذا فإن الأعياد والمناسبات الدينية، فيها موروثات اجتماعية يتشاركها الأفراد بوصفها جزءًا من انتماءهم، وهذا ما يجعلهم يحتفلون بمناسبة رأس السنة الميلادية على الرغم من كونها مناسبة خاصة بالطائفة المسيحية، إذ انتقلت لتصبح موروثًا اجتماعيًا، حتى أنَّ الفئات التي تعلن استقلالها تحت وصف الأقلية تشارك في هذه الأعياد من منطلق التعايش السلمي وتبادل مشاعر الفرح”.

يعزو بعض المتابعين، افتقاد عيد الأضحى وجل المناسبات الدينية قيمتها الروحية أولًا، ومن ثمّ المجتمعية إلى تردي الأوضاع السياسية والأمنية، وبالتالي حين يفقد الناس الاستقرار، يفقدون الرغبة بإقامة الأفراح. إذ لا يمكن استثناء المناسبات الدينية والاجتماعية عن باقي الأمور التي تلعب الحكومات دورًا رئيسيًا في إدارتها، وتوفير بيئة خصبة للناس لتكوين أرضية لائقة بها، فيما يرى آخرون أن السبب في فقدان تلك الأعياد قيمتها لدى عوائل كثيرة يرجع إلى الظروف التي مرت في البلاد، حيث أن أغلب هذه العوائل اليوم لا تشعر بقيمة الفرح لافتقادها أحد أفرادها بين مهاجر وقتيل، لا سيما بعد موجة النزوح الأخيرة جراء اجتياح “داعش” لأراض عراقية، وما ألحقته الحرب عليها من أضرارٍ بشرية ونفسية ومادية تمثلت بأزمات كبيرة في المجتمع لم تتعامل الحكومة معها بجدية للقضاء عليها.

وكالات

676 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in رئيسي.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments