هل كان الغضبان عميلاً لأمريكا، ومادور “بريمر ” في ذلك ؟

أخبار العراق: كان مدهشاً وغريباً ان تبقى وزارة النفط بعيدة عن عمليات النهب والسلب والتخريب التي حدثت في مؤسسات الدولة عام ٢٠٠٣، وأبقيت هذه المؤسسة حصراً تحت ادارة المخابرات الامريكية كما اتضح لاحقاً، حين كشفت وثائق عن تقاسم للمؤسسات العراقية في عهد بوش الابن، بين وزارة الدفاع والخارجية والمخابرات، حيث سيطرت كل جهة على قطاع في العراق، متولية ادارته بشكل مباشر، او عبر من اختارتهم، حتى ان بعض المسؤولين الذين تولوا ادارة اجهزة حساسة في الدولة العراقية، بقوا لسنوات طوال في مناصبهم، والسبب كما كشف لاحقا انهم تعاقدوا مع الجهات الامريكية الراعية للبقاء في هذه المناصب، حتى ان بعض هؤلاء المسؤولين العراقيين عاد الى امريكا بعد انتهاء عقده، فيما واصل البعض الاخر عمله مستمراً به رغم كل التغيرات التي طالت المناصب والاشخاص في تجربة الحكم الجديد، من هنا يمكن ان نفهم كيف ان الامريكان كانوا ولا يزالون يديرون مواقع ومناصب حساسة في البلاد، وان العراق لا يزال جزءاً من سياسة خاضعة للادارة الامريكية على مختلف اداراتها. ولعل ادارة ترامب الاخيرة كانت الاوضح في تحكمها ببعض مواقع القرار وانحيازها العلني في انتخابات ٢٠١٨ وما تلاها من خطط لدعم جبهة على حساب اخرى، وتقديم شخصية على غيرها ، ولذا يصف البعض ان الحكومة الحالية هي اوضح صورة لتعدد مراكز القوى، وسيطرة التدخلات الخارجية على بعض المفاصل الهامة والحيوية، وابعاد شخصيات لم يعرف عنها الانتماء الى اي محور عن مواقع القيادة كما يقول المطلعون على مراكز القرار، والدفع بشخصيات غير مشاركة بالمرة الى الواجهة دون اي استحقاق قومي او طائفي او اي اعتبارات، لذا فأن الحكومة الحالية بحسب سياسيين ونواب تمثل خلاصة ما يمكن تسميته بحكومة تجاوز استحقاقات الانتخابات، والقوى الفائزة فيها، والذهلب الى خيار الترجيح السياسي بحسب الداعم والجهة التي يمثلها.

ولعل اللافت ان وزارات سيادية منحت لشخصيات غير معروفة، او مزمنة دون مقدمات او اسباب موضوعية مما فوجئ الجميع بذلك،وهذا يوحي ان ثمة علاقة لا مرئية هي دفعت بهولاء للصدارة، وضربت الاستحقاق الانتخابي عرض الجدار.

من هذا يمكن العودة الى ملف النفط في العراق، ومعرفة ادارته التي اختارها الامريكون حصرا، وعبر الحاكم المدني بول بريمير، الذي كان – أي بريمر – من حصة وكالة المخابرات الامريكية (السي آي أيه)، بعد ان ابعد جي غارنر عن المنصب لكونه مرشح وزارة الدفاع الامريكية، لذا حرص بريمر على ان يدفع برجال عرفوا بالعمل الحكومي السابق الى بعض مواقع القرار، ولعل منهم السيد الغضبان، الذي عينه مديراً تنفيذياً للنفط، ومن ثم وزيراً للنفط في عهد حكومة علاوي الواقعة تحت سلطة الاحتلال، والذي يعترف انه شكلها باستشارة وتنسيق امريكي واضح، ولعل علاوي الذي اعترف أكثر من مرة بتعامله مع وكالة الاستخبارات الامريكية الوثيق، كان الصورة الاوضح لسيطرة هذه الجهة على كل ما جرى ويجري في العراق، بعد ان فشلت وزارتا الخارجية والدفاع الامريكيتان في ابقاء ادارة العراق تحت ايديهما، لذلك جاء وزير النفط عبر هذه البوابة، كما تكشف الاحاديث والتصريحات السياسية التي جرت لاحقاً، وقد بقي الرجل في موقعه على الرغم من انه كان أحد قيادات وزارة النفط ابان النظام السابق، ولديه درجة حزبية عالية كما تكشف سيرته الوظيفية، فضلاً عن عائلته البعثية التي تحوم حولها الكثير من شبهات القتل والتعذيب بحق ابناء الشعب العراقي، حيث تكشف بعض الوثائق والشهادات الكثيرة ذلك.
لكن دعم المخابرات الأمريكية للرجل اسقط من امامه كل الموانع التي تعيق تعيينه في سلطة بريمر مديراً تنفيذياً لوزارة النفط، ووزيراً للنفط في حكومة علاوي، ثم رئيساً لهيئة المستشارين لثماني سنوات أبان فترتي حكم المالكي، ثم وزيراً للنفط في حكومة عبد المهدي، بل ونائباً لرئيس الوزراء، ورئيس لجنة الطاقة في حكومته، حيث يعد اليوم الرقم الأصعب في الحكومة الحالية، حتى وصل الأمر الى ان يصرح عبد المهدي لأحد المقربين اليه حول تصرفات الوزير الغضبان المشبوهة بالقول: (أمر الغضبان ليس بيدي، وموضوعه اكبر من قدرتي وسلطتي، ولا أقدر على فعل أي شيء تجاهه)! وهذا يعني أن الغضبان مسنود بقوة من الخارج، أي من جهة لا يستطيع عبد المهدي الوقوف بوجهها ..

ولعل الصورة الشهيرة التي ظهرت له عام ٢٠٠٤ والتي تكشف عن لقائه مع “جاري فولجر “مسؤول الشرق الاوسط في المخابرات الامريكية، تظهر كيف ان الامريكيين، ومنذ سقوط نظام صدام، حرصوا كل الحرص على حماية النفط العراقي وتسليم ملفه الى ” يد أمينة ” تدير مصالحهم، وتحفظ سيطرتهم عليه، فكان ثامر الغضبان رجلهم الأمين، ويدهم الأكثر أمناً وأمانة ..
ولذا فأن ما جرى لاحقاً في إدارة الملف النفطي كان خاضعاً لتقلبات الوضع السياسي في البلاد، ولن تستطيع كل الحكومات المتعاقبة من ابعاد بعض الشخصيات عن مواقع القرار بهذا القطاع الخطير، رغم ان حكومة المالكي قد ازعجت الادارة الامريكية بعض الشيء لكنها لم تستطع إبعاد ” اليد الأمينة ” عن زمام القطاع النفطي!

ومن خلال هذا يظهر واضحاً وجلياً حجم التأثير الامريكي على القرار العراقي، لذا لم يكن غريباً ان تعيد حكومة عبد المهدي الوجوه التي جاءت مع حكومتي بريمر وعلاوي، مما يعني للمراقب السياسي ان عودة الى ما جرى بعد ٢٠٠٣ هو الذي حدث من خلال تسليط ثامر الغضبان وامثاله على قطاعات الدولة مجدداً، ودون اي استحقاق وظيفي أو انتخابي، فيما كان واضحاً ايضاً ان الحصة الشيعية في هذه الحكومة اسندت لشخصيات من هذا النوع، وابعدت قوائم شيعية قوية عن مواقع الدولة الحساسة. مما يضع الف علامة تعجب !

إن سيطرة الغضبان على قطاع النفط والطاقة لمدة 16 سنة، لم تنتج سوى الخراب والتدمير للنفط العراقي بشكل خاص وللطاقة بشكل عام، إذ مازال العراق يدفع من قوت اطفاله مليارات الدولارات للدول المجاورة مقابل استيراد المشتقات النفطية، ويدفع مليارات الدولارات مقابل استيراد الطاقة الكهربائية، وتخرج من خزائنه ملايين الدولارات الى ارصدة ثامر الغضبان والشركات التي يعمل بها هو وافراد اسرته، وجماعاته التي نعرف الكثير منها، فضلاً عن اصحاب النفوذ الذين يحرص الغضبان على اسكاتهم بما يوفره لهم من العقود، والموافقات والمنافع، ونستطيع هنا ان ندون للقاريء الكريم قائمة طويلة بأسماء وعناوين ومنافع هؤلاء المتنفذين.

لقد ثبت الان بالدليل القاطع أن ثامر الغضبان المشغول حد النخاع بالقضايا التافهة والصغيرة، وغير المهتم بتطوير وتحسين انتاج النفط والكهرباء وتغيير حياة العراقيين الكارثية، إنما هو ينفذ منذ 16 سنة، خطة وأجندة ليست بعيدة عن خطط واجندة دوائر المخابرات الامريكية، وقد حقق الرجل نجاحاً كبيراً في عمله هذا، ومن لا يصدق بما نقول، عليه ان يدقق الان في واقع النفط والكهرباء في العراق، ويقارن بين هذا الواقع، وما متوفر في الدول المنتجة للنفط، كالامارات والسعودية وايران، ثم يعيد النظر في الصورة التي تجمع أمامه بين مسؤول المخابرات الامريكية وثامر الغضبان التي التقطت قبل حوالي 16 سنة، ثم يجيب على سؤالنا :

هل كان – ومازال – ثامر الغضبان عميلاً للسي آي أيه ؟

31 عدد القراءات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن