135 إلى 180 يهودياً لقوا مصرعهم خلال أعمال الفرهود في بغداد

اخبار العراق:

أري الكسندر

وبين هروب رشيد عالي الكيلاني وعودة الوصي، حدث الفرهود في الاول والثاني من حزيران، وهما اليومان اللذان يصادفان عيد العنصرة أو نزول التوراة عند اليهود.

ويتراوح عدد اليهود ممن لقوا مصارعهم بين 135-180، وقد أُصيب المئات، وتعرض 586 مشروعاً تجارياً إلى النهب، فضلاً عن 911 مبنىً سكنياً يضم 12 الف ساكن، وثمة دليل يُفيد انه في جميع احداث الفرهود وما أعقبها، فان عدد المسلمين ممن لقوا مصارعهم كان اكبر من عدد اليهود الذين قضوا في الأحداث، وقد غادر اليهود منازلهم وهم يرتدون أجمل ملابسهم للاحتفال بعيدهم الديني بغية الترحيب بالوصي في المطار.

ان الابتهاج الذي أظهره بعض اليهود لدى عودة الوصي، الأمر الذي جعلهم على نطاقٍ واسع عدواً بعيون العراقيين، غالباً ما يجري الاستشهاد به بوصفه استفزازاً لسلوك معادٍ لليهود، وقد بدأ الشغب حين هاجم جنود مجموعة من اليهود وهم في طريق عودتهم إلى منازلهم، ولعدم إدراكهم لهذه الهجمات التي وقعت في الصباح، ذهب اليهود على امتداد المدينة لزيارة العوائل والأصدقاء بعد الظهيرة، ليكونوا ضحايا لعمليات قتل على نطاق أكبر.

وفي المساء جرى إيقاف حافلة غاصة باليهود، حيث أُشهرت السكاكين على الركاب ولقوا مصارعهم بوحشية، وقد تعرض بعضهم للدهس من قبل الحافلة نفسها. وفي الليل، هاجم جنود، ورجال شرطة، ومجموعات شبابية مسلحة الأحياء اليهودية في بغداد، “وقد قتلوا، واغتصبوا، وجرحوا، ونهبوا، وأضرموا النيران بالمنازل”.

وقد شهد اليوم التالي أعمال نهب تفوق كثيراً أعمال القتل، حيث جاء العراقيون من مناطق بعيدة للمشاركة في أعمال الشغب وبينما شهد اليوم الأول للأحداث عنفا معاديا لليهود، فأن اليوم الثاني شهد سعي مزارعين عُزل من السلاح إلى النهب حيث كانت العاصمة بحالة فوضى، وحين خمدت أعمال الشغب في نهاية الأمر في مساء اليوم الثاني مع حدوث إطلاق نار تسبب بمصرع 100 شخص من غير اليهود، فأن الفلاحين القادمين من خارج المدن، والعزل من السلاح وغير المسؤولين عن قتل اليهود كانوا هم الضحايا على نحوٍ كبير.

وقد قررت الحكومة العراقية تشكيل لجنة تحقيق في السابع من حزيران 1941 لدراسة الحقائق وتحديد مَنْ يقع عليه اللوم في أحداث الفرهود، وقد اتهم تقرير اللجنة ضباط الجيش والشرطة بتحمل المسؤولية عن المجزرة وسلط الضوء على الأهمية التي اضطلعت بها الدعاية النازية في تسميم المناخ السياسي والتحريض على العنف ضد اليهود، وتوصلت اللجنة إلى ان الفرهود كان بالإمكان وضع حد له في اليوم الأول لو ان أي من الأشخاص الثلاثة كانوا قد أعطوا أوامر بإطلاق النار على القائمين بأعمال النهب.

وبعد توصل اللجنة إلى استنتاجاتها بسرعة كبيرة للغاية وممارستها لضغط لتوجيه الاتهام إلى عناصر لم تكن مرتبطة ببريطانيا بغية التخفيف من حدة الاتهام بالإهمال البريطاني أو السلبية المتعمدة، فقد حددت اللجنة ستة أسباب رئيسة للاضطرابات، وتشمل: الدعاية النازية، والمفتي، والمدرسون الفلسطينيون والسوريون، والبرامج الإذاعية، فضلاً عن نشاطات الفتوة. ويوجه رجوان نقداً للتقرير لإخفاقه في ذكر ان الفرهود قد حدث بعد الإطاحة بالنظام المؤيد للنازية و “هو الأمر الظاهر للعيان، اذا جاز التعبير، للبريطانيين، والوصي، وقادة الجيش والشرطة الموالين”.

إن مسؤولية الطرف الذي يتحمل أحداث الفرهود تُعد موضوعاً لجدال بحثي، فالبريطانيون، والألمان، والقوميون العراقيون، والفلسطينيون، والصهاينة جلّهم يتحملون اللوم والمسؤولية طبقاً من باحثٍ إلى آخر. وقد مال اليهود العراقيون أنفسهم إلى الاعتقاد بان قوميين متطرفين يحملون أفكاراً متأثرة بالنازية هم الذين ارتكبوا هذه المجزرة، وفي حجة مختلفة ولكنها ذو صلة، يعتقد أحد المؤرخين العراقيين بان “تلكم العناصر التي أظهرت الأسف على انهيار نظام رشيد عالي الكيلاني أطلقت كامل العنان للتنفيس عن مشاعرها بجعلها للطائفة اليهودية كبش فداء عن فشلهم”.

وفي ما يتعلق بمسألة إن كان بالإمكان تفسير أعمال الشغب تفسيراً أحادياً بردها إلى الفراغ في السلطة، مضى المؤرخ العراقي قائلاً: “لعل غياب حكومة مسؤولة قد شجع عناصر متطرفة على الإفادة من الوضع، على الرغم من انه من المشكوك فيه ان أية حكومة كان بمقدورها ان تكون ناجعة بالكامل في منع احداث الشغب”، ويقدم خضوري رأياً مشابهاً، ولكنه مختلف اختلافاً طفيفاً، حين يقول “لكون يهود بغداد كانوا مناصرين للبريطانيين، فقد تعرضوا للقتل والنهب”، ان الشعور اليهودي المؤيد للبريطانيين “المبغوضين” كان بلا شك مرتبطاً ارتباطاً ينطوي على إشكالات بأعمال الفرهود وهو السبب الرئيس الذي دفع بشبلاق إلى القول” ان من التبسيط ان نرى في الفرهود عملاً معادياً لليهود على نحوٍ جوهري” وطبقاً لريفاسيمون، فان اليهود لقوا مصارعهم لأنهم كانوا “العدو من الداخل” للشعب العراقي من خلال تحالفهم مع البريطانيين المبغوضين كثيراً، والذين كانوا قد انزلوا للتو الهزيمة بالقوات العراقية.

وفي ما يتعلق بمسألة ان البريطانيين لعبوا دوراً مباشراً في التخطيط أو التمكين لإحداث الفرهود، لا يوجد دليل يُفيد بأنهم كانوا محرضين على ذلك، وبوضوح كان بإمكان الوصي إيقاف الاحداث على نحوٍ أسرع مما فعل، على اعتبار ان أوامره بإطلاق النار على القائمين بأعمال النهب قد أنهت فعلياً الفرهود في الحال في مساء الثاني من حزيران، ويبدو ان البريطانيين اختاروا عدم دخول بغداد. على الرغم من أنهم كانوا يعرفون بالفرهود، لأنهم لم يكن يريدون ان يظهروا بمظهر المحتل، وكانوا يرغبون بإيجاد واجهة بان الوصي كان قد عاد من دون مساعدة عسكرية بريطانية، وكانوا يخشون من مواجهة مسلحة مع الجماهير القومية.

ويضيف المؤرخون الصهاينة ان الأولوية البريطانية تمثلت في تفادي المخاطرة بإيجاد كراهية أكبر لهم في نفوس السكان العراقيين، حتى وإن كان الثمن في هذه الحالة حياة اليهود، وعلى أية حال، فقد أصبح الفرهود نزاعاً انصب لفائدة البريطانيين، لأنه حرف الانتباه عن عودتهم غير المرحب بها شعبياً، ولم يعطِ الوصي الأوامر بإطلاق النار على حشد مَنْ كانوا يقومون بأعمال النهب حتى وقوع حالات مروعة من أعمال القتل والتدمير.

ويعتقد كوهين انه “أي الوصي ـ المترجم” كان يخشى من قيام الجيش العراقي المعادي للبريطانيين بضراوة بأعمال عدائية وتوجب عليه انتظار وصول جنود كرد من الشمال موالين له، ويرى خضوري فشلاً لكبار المسؤولين كافة ـ عراقيون وبريطانيون ـ في مواجهة مسؤولياتهم.

ومرة أخرى، تتمثل الرؤية البريطانية في ان صدور أوامر بإطلاق النار لم تحصل حتى ساور الخوف الوصي من ان المجزرة التي لم تستهدف سوى اليهود قد تتحول إلى فوضى شاملة، إن المادة الأرشيفية الألمانية المتاحة الآن للجمهور لا تدعم الزعم بأن الألمان خططوا لإحداث الفرهود. غير ان التحالف البريطاني ـ اليهودي المُلاحظ، بعد سنوات من الدعاية النازية المعادية لليهود، الذي تطور الآن في سياق معركة رئيسة جغرو ـ سياسية بين المانيا وبريطانيا، يقدم صلة نازية بأحداث الفرهود، “من المؤكد إلى حدٍ ما ان معظم أولئك المشاركين في مذبحة اليهود كانوا شباباً متأثرين بالدعاية النازية” وبينما شمل هذا الأمر الجنود ورجال الشرطة ممن اشتركوا في الأعمال المروعة، فأن المتورطين في أعمال النهب كانوا أميين ولذا فهم لم يكونوا معرضين للأفكار النازية من خلال الكتب والصحف. وبالنسبة لكوهين، يُثبت هذا الأمر ان الجماهير العراقية لم تكن على وجه الخصوص تُضمر الكراهية لليهود ولم تتأثر بالدعاية النازية سوى نخبة صغيرة من المتعلمين.

وحيث ان موضوعا مهيمنا في الدعاية النازية في بغداد تمثل في العدو البريطاني المشترك والمشاعر المؤيدة للبريطانيين التي يكنها اليهود، فأن الشعور المعادي لليهود في العراق أفضى إلى وجوب فهم الفرهود بكونه ليس متجذراً لدى إخوانهم الصهاينة، بل لدى نصيرهم البريطاني. وفي كتابها الوشيك الصدور، تكتب ايسثر مائير غليتزنشتاين: أماط الفرهود اللثام عن الجانب المعتم والخطر للحركة القومية العراقية، بميولها الفاشية والمعادية للسامية، وقد عدَّ القوميون العراقيون اليهود أقلية عرقية وقومية، وجعلوا لها صلة بالاستعمار البريطاني والصهيونية، ولذلك فقد نظروا إلى اليهود بوصفهم دخلاء خونة لم يكن ينتمون إلى العراق.

وكالات

 

1٬059 عدد القراءات
0 0 vote
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments