السيادة وآمال تحقيقها.. هل ستخرج أمريكا من العراق؟

اخبار العراق:

رسول مجيد

قد لا يختلف اثنان، بأن العيش بدولة خالية من إي قوات أجنبية هو حلم، وأن المطالبات الكبيرة بوطن يحكم نفسه بنفسه بعيدا عن التدخلات الخارجية، هي مطالبات لكل حر وشريف، لكن، هذه الأحلام قد لا ترى النور بهذه السهولة، فهي أكبر بكثير من إرادة أبناء الشعب، إلا أن اتفقوا “جميعهم” على تحقيقها، وهذا شبه مستحيل.

الرفض والقبول للتواجد الأمريكي في العراق
كل قاعدة أو قانون، قد ينكسر في العراق، وكل مطلب وأن كان حر ومشروع، قد يصطدم بنقيضه هنا، فمطالبات خروج القوات الأمريكية من العراق، هي مطالبات ليس عليها غبار، وحق لا يمكن حتى للمحتلين أن ينكروه، لكنه اصطدم وكالمعتاد بالنقيض، فتصويت البرلمان العراقي الأخير على قرار يقضي بإخراج القوات الأمريكية من العراق، لا يمكن عدّه قراراّ يمثل العراق كله، كيف ذلك؟

من صوّت وأيد قرار البرلمان الأخير بشأن أخراج القوات الأمريكية من العراق، هي الكتل والشخصيات المقربة من المقاومة فقط، بعبارة أدق الكتل والشخصيات “الشيعية”، بالمقابل امتنعت بقية الكتل ونوابها من “الاكراد والسنة” ليس فقط بالتصويت بالضد من القرار، بل بحضور البرلمان اصلاَ، ولم يمضوا قدما تجاه الجلسة وتغيبوا جميعا عن الحضور وكان رأيهم من خارج البرلمان، أن هذا القرار لا يمثلهم، حتى خرج أحد زعمائهم وقالها بصريح العبارة، لن نصوّت على هذا القرار، و”الشعب السني” ينظر إلى القوات الأمريكية كقوات صديقة له، إذا وما بين الرفض والقبول لهذا القرار، تضاعفت الآمال بتحقيقه، باعتبار أن الولايات المتحدة تنتظر قرارا موحدا، حسب قولهاَ، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في العراق، ولذلك فستتخذ أمريكا من هذه الانقسامات حجة قوية لبقاء قواتها في العراق.

ماذا تفعل أمريكا في العراق؟

واهم من يعتقد أن استقتال أمريكا لتواجد قواتها في العراق يصب لمصلحة الأخير، فأمريكا لا يهمها سوى نفسها، وهي مستعدة للتخلي عن أكبر حلفاؤها للحفاظ على مصالحها، وما حدث في سوريا خير دليل، حيث انسحبت القوات الأمريكية من سوريا تاركة مصيرهم السياسي بيد تركيا وإسرائيل، ضاربة الاتفاقيات بين الدولتين عرض الحائط.

تواجد أمريكا في العراق، هو تواجد يصب لمصلحتها فقط، فكذبة القضاء على داعش لتبرير الوجود، باتت مكشوفة، أمريكا وكغيرها من الدول الطامعة في الذهب الأسود، لا يصب في مصلحتها أن ترى العراق قويا، ولهذا فهي كانت ولازالت تعمل على تحجيم نفوذ العراق الخارجي، والقضاء على الصلة الوثيقة والعلاقة الحميمة بين بغداد وطهران، وتقسيم العراق جغرافيا حتى يسهل السيطرة عليه بالطرق الدبلوماسية والاتفاقات الشكلية.

النوايا الأمريكية أعلاه تُرجمت بالفعل وتحولت إلى حقائق، فضرب مقرات الحشد الشعبي وفصائل المقاومة ذات العلاقة الجيدة مع طهران، أكد رغبة أمريكا بفصل العراق عن إيران وأضعاف قواهم المشتركة، وعودة المطالبات مؤخرا بـ “الإقليم السني” أكدت رغبة أمريكا بتقسيم العراق جغرافيا بعد ما ضمنوا الكرد، ووضعوا موطئ قدم لضمان السنة أيضا، وبالتالي تقسيم العراق وكسب حلفاء تفوق الحلفاء التي يمتلكها الشيعة، وهذه هي الغاية. إذا، وبعد خيانة غربية شمالية، أصبح لدينا فريقان، الأول مقاوم رافض للتدخل الأمريكي في العراق، والثاني مقاوم رافض لكل من يمس مصالحه، ووسط هذا الذهاب والإياب والكر والفر من الفريقين، سيبقى الحكم الأمريكي متوسطا ملعبه، متخذا من تواجده العسكري داخل العراق، مكاناَ للمشاهدة!

هل العراق قادر بالفعل على إخراج أمريكا وتحقيق حلم السيادة؟
دولة كأمريكا، لا يمكن هزيمتها بالقوة والحرب، والإصرار على ذلك سيولد نتائج ليست جيدة على من يقدم عليه، لاسيما وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الاتفاقية المبرمة بين العراق وواشنطن عام 2011، المعروفة باسم اتفاقية الإطار الاستراتيجي، والتي تنص بصريح العبارة، موافقة الحكومة العراقية على إبقاء القوات الأمريكية داخل العراق، وهذه هي الحجة القوية التي استغلتها أمريكا وعملت عليها إلى الآن، مع تفننها واللعب ببنود هذه الاتفاقية، ولكن بحيل ودهاء سياسي، يصعب على الدولة المفتقرة لشخصية محنكة سياسيا، فهم ما يحدث.

إذا، وبعد استبعاد الخيار العسكري لإخراج القوات الأمريكية، فأن العراق بات ملزم بابتكار طرق جديدة تؤهله من فك شيفرة الذرائع الأمريكية بالبقاء على أراضيه، شيفرة لا يمكن أن تحل بالطرق التقليدية، ولهذا فعلى العراق التحرك “داخليا” والعمل على إعادة حلفائه داخل قبة البرلمان واقناعهم بالطرق الدبلوماسية بأن “الفرقة” ستؤدي بنا إلى الضياع، وأن الوقت قد حان للم الشمل واتخاذ قرار عراقي ساحق لإعادة النظر بقرار خروج القوات الأمريكية والتصويت عليه بالاجماع، وبخلاف ذلك، وأذا ما فشلت الشخصيات السياسية بالتوافق فيما بينها، فستبقى حجة واشنطن قوية بالبقاء، وتبقى آمال العراق وشعبه بتحقيق حلم السيادة تتلاشى شيئا فشيئا.

هل أمريكا فقط من تخترق السيادة العراقية؟
بعيدا عن العاطفة والقومية وتقارب الشعوب، فالعراق أكبر من الجميع، ولكن.. من ينظر إلى العراق “سياسيا” سيشاهده، هشاَ، طرياَ، متفككا، مفتقرا إلى شخصية حقيقية واحدة تجبر من ينوي التعدي عليه إعادة النظر بقراره، العراق لا يمكن أن يتبوء مكانة سياسية كبيرة بين الدول، ما لم يوحد قرارته على كل من يسيء له، بغض النظر عن اسم وعمق وحجم نفوذ الدولة المسيئة له.

أمريكا أفنت حياتها باختراق سيادة العراق، وعدم احترام كل الاستنكارات التي تصدر بعد تنفيذ مخططاتها، فهي تعلم بأنها ليست الدولة الوحيدة من تفعل هكذا، خذ إيران على سبيل المثال، وصواريخها العابرة للقارات، وكيف في أكثر من مرة تدك اهداف لها داخل الأراضي العراقية، وسط صمت شبه تام من الحكومة المركزية، لماذا ذلك ؟ أليست السيادة التي تخترقها أمريكا الشر والسيادة التي تخترقها إيران هي واحدة؟ إذا، ما لم يمضي العراق بقرارات ادانة صارمة بل وتعويضات ساحقة تفرض على كل دولة تتعدى عليه وعلى سيادة شعبه، مهما كان قربها منه، وردع كل من يحاول الأساءة لسمعة وتاريخ العراق، فستبقى مطالبات الأحرار بأخراج القوات الأمريكية حبراَ على ورق، لأن أمريكا لن ترضخ للأمر الواقع ما لم تقضي على النفوذ الإيراني في العراق، حسب زعم البنتاغون.

متى ستنسحب أمريكا من العراق بكامل إرادتها؟
القوات الأمريكية ستخرج من العراق عاجلا أم آجلاَ، ولكنها لم ولن تقدم على هذه الخطوة ما لم تخلق حالة رفض شبه تامة للتدخل الإيراني في المنطقة بصورة عامة والعراق على وجه الخصوص، وهذه النتيجة لن تتحقق بوقت قصير، على الرغم من ظهور بوادرها حاليا ولو بصورة سطحية.

وكالات

0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments