مقتدى يتبع نفس أساليب خصومه الهابطة لدعم مرشح الأمريكان

اخبار العراق:

صائب خليل

عندما كان مقتدى يقود المقاومة التي طردت الأمريكان قبل أكثر من عشر سنين، كان الأسلوب الأساسي للسفارة وابواقها في تسقيطه، هو اتهامه بأنه يتبع أجندة إيرانية. ولأن خصومه لم يكونوا يملكون الأدلة على اتهامه، كانوا يلجؤون الى الإيحاء بالتهمة لتدخل رؤوس الناس دون تفكير.. كنا نتصدى لذلك بقوة وكتبنا العديد من المقالات لدعم موقف مقتدى وكتبت بأن هذه التهمة الرخيصة إهانة للشعب العراقي لأنها تفترض ضمناً أنه لا يوجد في الشعب العراقي انسان له كرامة رفض الاحتلال الأمريكي للعراق، وأن الرفض من إيران.

مقتدى اليوم يتبع نفس الأسلوب، لدعم العميل الأمريكي الزرفي، ويتهم ايحاءاً، من يأبى تنصيب عميل معروف للاحتلال وسيء السمعة، رئيساً على بلاده، بأنه يتبع أجندة إيرانية! فكم انقلبت الدنيا!

إن نفس ما دفعنا للوقوف ضد تلك التشهيرات عندما كانت تهاجم مقتدى عندما وقف ضد الاحتلال، يدعونا اليوم لنقف ضد ذات التشهيرات التي يطلقها مقتدى على من يقف ضد الاحتلال! فموقفنا ليس من الشخص، بل يحدده الموقف السياسي للشخص.

قال مقتدى الصدر، في «تغريدة» له، «سواء أكان المرشح وفق الضوابط أم لم يكن كذلك، فهذا أمر راجع لنا نحن العراقيين لا غير، وسواء أكانت آلية اختياره صحيحة أم لم تك كذلك، فهذا شأن عراقي بحت، فلا داعي لتدخل أصدقائنا من دول الجوار أو غيرها ولا سيما المحتل».(1)

ويبدو أن عبارة “ولا سيما المحتل” أضيفت للتجميل مثل عبارة “لا بو أمريكا” في شعار “انعل أبو إيران لا بو أمريكا” لتظهر الشخص حيادياً. والسبب في اعتقادنا هو أن “المحتل” لم يعترض ابداً على ترشيح الزرفي ولا على الضوابط ولم يفعل ذلك اذياله، بل على الأرجح انهم كانوا يديرون تلك الآليات من وراء الستار. فهم جميعا يرقصون طرباً لتعيين عميل لهم على رئاسة البلد. لذلك لا يبقى من العبارة من شيء به معنى سوى اتهام المعترضين على ضوابط الزرفي بأنهم مدفوعين من إيران، بأنهم ليسوا “عراقيين”. وعلينا ان نسأل مقتدى ما هي “الضوابط العراقية” التي تتوفر في الزرفي لكي يفترض ان الاعتراض عليه جاء من إيران؟ هل هي ان يكون الرجل ذو جنسية أمريكية، أم ان يحصل على الرضا الأمريكي ام ان يكون سيء السلوك والسمعة أم يكون غير مستقل أم يكون مجرب وفاشل وفاسد أم ان يكون “جدلياً”، أم يكون متهماً بتهم توصله حبل المشنقة، أم ماذا؟

ثم يقول: «لتعلموا أن صراع السياسيين الشيعة الذي ما عاد يطاق هو من غير آلية الاختيار»،  من قال ان الأمر يتطلب ان يتوافق عليه “السياسيين الشيعة”؟ هل يتم الانتخاب في العراق بين الشيعة وغير الشيعة؟ هل ان الكتلة الفائزة التي لها ان تحدد المرشح اسمها “الشيعة”؟ وكيف يغير صراع السياسيين آلية الاختيار المحددة بشكل واضح في الدستور بمادته 76 والتي تنص على ان المرشح يأتي من الكتلة الأكبر؟ هل يغير صراع السياسيين الدستور، ام يتيح لنا ذلك الصراع احتقاره؟ الحقيقة ان مقتدى لا يرى ضيراً من انتهاك الدستور بأية حجة، لأنه صاحب سوابق في هذا الانتهاك، فهو الذي جاءنا بعبارات المراوغة مثل “ان الشعب أكبر من الكتلة الأكبر”، ليبرر تجاهل الكتلة الأكبر ويتم تعيين من اسماه “المستقل والمستقيل من الفساد”، عادل عبد المهدي، العميل الأكبر للأمريكان وأحد أسباب انهيار العراق
الحالي.

احتقار الدستور والكتلة الأكبر احتقار للشعب وللسلطة التي منحها له. فالشعب الذي انتخب سائرون، هو نفسه من اختار الكتلة الأكبر، وان لم يحترم تلك الأصوات التي انتخبتها، فإنه يفقد ايضاً حقه في اعتبار الأصوات التي انتخبته شرعية
بالفعل.

والحقيقة ان هذه الفوضى قد منحت الرئيس القادم من كردستان صلاحيات غير دستوري هائلة، وبمباركة فساد المحكمة الاتحادية. فهو الآن لا يكتفي بواجبه الدستوري التشريفي، بـ “تكليف” المرشح الذي تقدمه الكتلة الأكبر، بل يقوم بنفسه بـ “ترشيح” و “تكليف” المرشح، مستولياً على سلطات ناخبي الشعب جميعاً!! والفضل الأكبر في هذا الاختلال الخطير يعود إلى المبادرة السيئة من مقتدى ورفاقه في
الدورة السابقة واستمرارها اليوم.

يكتب مقتدى أن «اختياراتهم لأناس غير أكفاء أو اختلافهم وعدم توافقهم على مرشح، هو ما استدعى اختيار شخص غير مقرب لنا ولكم».  هل يجب ان يكون المرشح “مقرباً لكم او لهم” أم ما يفرضه الدستور؟ ثم هناك امر غريب آخر. تقول ان الزرفي ليس شخصاً قريباً لا لك ولا لهم، وافترض أنك تقصد كتلة البناء الرافضة للوجود الأمريكي. والمفهوم منطقياً، حين تختلف جهتان، ثم يقدم شخص كبديل توافقي، ان يكون هذا الشخص في المنطقة الوسطى بين آراء هؤلاء وهؤلاء. وبما اننا نعرف ان موقف “البناء” هو بالضد من الزرفي لأنهم يعتبرونه أقرب مما يجب إلى اميركا، فما هو موقفكم أنتم الذين اختلفتم معهم عليه؟ هل كنتم تريدون شخصاً أقرب من الزرفي الى اميركا واعتبرتم بالزرفي كحل وسط؟ من هو الشخص الذي كنتم سترشحونه لو ان الخيار ترك لكم؟ ولماذا كل شيء غامض وسري ومبهم وما على الشعب الا ان يصدق ويطيع؟ ولماذا كلما اختلف الفرقاء على المرشح تكون النتيجة ترشيح عميل لأميركا مثلما كان الامر مع “المستقل والمستقيل من الفساد” الذي دعمتموه بكل قوة حتى خالفتم الدستور من اجله، ثم تبرأتم من موقفكم بنفس الحجة: انه كان خيار توافق؟

لا أحد يصدق ايضاً أنك لا تدعم الزرفي سوى اتباعك المصدقين لكل شيء، كذلك لا يصدق أحد اهتمامك بسيادة العراق عدا هؤلاء. بل يمكننا هنا ان نرى ان موقف الصدريين على لسان حاكم الزاملي يرى الدعم الأجنبي للزرفي ايجابياً، ويطمئن الناس ان تمرير حكومته سيكون أسهل لأنه يحظى بالدعم الخارجي!(2)

لا يسيء الى سيادة العراق أكثر من اختيار عميل امريكي ليكون رئيساً على العراق! ولا يسيء الى سيادة العراق أكثر ممن لا يحترم دستوره. ولا يسيء الى سيادة العراق أكثر ممن يرشح من يتجاهل تنفيذ قرار البرلمان بسيادة العراق وإخراج القوات الأجنبية. ولا ابعد عن الحرص على سيادة العراق، ممن يشهر بمن يرفض تنصيب العملاء على قيادته ويتهمهم بأجندة اجنبية وكأن لا أحد يمكن ان يرفض سيادة عميل
على بلده!

أسلوب التشهير بمن يرفض المشاريع الأمريكية على انه إيراني التبعية لا يقتصر على مقتدى بل ينتشر في وسائل الإعلام الامريكية وابواقها، حتى أنى لا اذكر يوماً دفاعا عن موقف امريكي لم يشوه معارضيه بتهمة التبعية لأميركا. إنهم يستغلون وباء جنون الفوبيا التي توقف العقول تماما عن العمل والتمحيص، والمنتشر لدى الكثيرين في العراق والعالم العربي، بمجرد ذكر اسم إيران في أية جملة. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا حتى إني خصصت لها مقالة خاصة في الماضي، ويمكنني ان اخصص كتابا كاملا أيضا على الاستغلال البشع لهذه الفوبيا لتمرير الاجندات
الامريكية والاسرائيلية.

ها هي امثلة حاضرة من وسائل الاعلام المشبوهة، فتكتب “شبكة اخبار العراق” : “الزرفي يبدأ اتصالاته لتشكيل الحكومة والمحور الإيراني يرفض الحوار معه”! وكتبت وسيلة إعلامية أخرى: “الزرفي بين رفض الحراك العراقي واعتراض تحالفات إيران”(3) وكتبت إيلاف “قوى شيعية موالية لإيران ترفض ترشيح الزرفي..” (4)

يجب ان أقول للأسف أن موقف مقتدى لا يختلف عن مواقف هذه الوسائل الإعلامية الهابطة في محاولتها الدفاع عن قضية غير مشرفة، وأن هذا الموقف ليس جديداً عليه. فخلال العشر سنوات الماضية كان موقف مقتدى بشكل عام: كلام غير مؤثر ضداميركا، ودعم تام لكل مشروع أو عميل امريكي مثل العبادي او عبد المهدي وتغاضي عن كل جرائمها والتظاهر بأن “الوقت غير مناسب” لمجابهتها، وبدون تقديم أي حجة،
معتمداً على طاعة قطيعية عمياء له من أتباعه ومستغنيا عن كسب غيرهم رغم ادعائه ان مشروعه وطني عام. هذا إضافة الى قيامه بمجاملة ومقابلة واخذ الصور التذكارية مع احط عملاء اميركا، بل وعملاء إسرائيل ايضاً وتسويقهم في الاعلام العراقي! وبانتفاء الحجة والتبرير لهذه المواقف، لم يكن لأتباعه الا اللجوء الى الشتائم والتهديدات والإرهاب، (كما أتوقع على هذه المقالة) متحولين الى عصابة كريهة من
الناس.

النتيجة كانت انعدام للثقة بمقتدى بين الناس حتى عندما يتخذ موقفا وطنياً، كما حصل بالفعل أيام التظاهرة والحملة الشديدة التي شنها عليه ذيول السفارة. الجميع توقع انقلاب مقتدى، وكان الأمر بالفعل! وسرعان ما بدا مقتدى متخلياً عن المطالبة بإخراج القوات وهاهو يدعم مرشحاً لا يفكر يوماً بأن يفعل ذلك. فها هو الزرفي يبعث رسالة الى واشنطن في خطاب التكليف.. لم يتطرق لوجودها في العراق
على أمل تنصيبه رجل أمريكا(5)

بل ان المتوقع هو ان يزيد العراق غرقاً في السلطة الامريكية، وانتحار سيادته تحت حكم الزرفي. فتكشف لنا وثيقة من وثائق ويكيليكس سر حماس المتحمسين للزرفي، فجاء فيها ان الزرفي عندما كان محافظاً للنجف، تحدث مع الضباط الامريكان وأخبرهم أنّه ينوي إجراء تغييرات أمنية عديدة، مؤكّداً أنّ هاجسه الأساس هو «عمليات وخلايا الاستخبارات السورية والإيرانية في النجف». وأشار إلى أنّه ينوي إنشاء «خلية مخابراتية منفصلة للعمل مع القوات الأميركية في المحافظة»،مُستدركاً بأنّ استخدام أموال المحافظة لإنشاء هذا الجهاز «قد يكون غير
قانوني».

وتذكر الوثيقة أنّ الزرفي يعتبر «جيش المهدي» و«منظمة بدر» حركتين خارجتين عن القانون، وتعملان نيابة عن إيران وتُهدّدان المحافظة والقوات الأميركية. وقال الزرفي إنّ عبطان «أعطى ثياباً رسمية وشارات وسيارات حكومية لأشخاص لتنفيذ عمليات ضد القوات الأميركية». أضاف «لديّ دلائل عديدة على تورّط إيران في الهجمات”.(6)

إن مواقف مقتدى خيانة لمن صدقه من الناس، وكنت انا منهم، وخيانة للصدريين ولنفسه أيضاً.

672 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments