النجف والدبلوماسية الموازية

اخبار العراق: كتب زهير الجبوري..

من المسلم به ان السياسة الخارجية هي من أختصاص الحكومات المركزية في كل أنواع الأنظمة للحاجة لتقديم رؤية موحدة مقابل الدول الأجنبية.

ولكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وما أنتجته من واقع عالمي جديد تمثل بتطور شبكة الاتصالات الالكترونية وتوفر شبكة مواصلات سريعة والتزايد الكبير في حجم التعاملات الدولية فتح الأبواب لكيانات سياسية او منظمات دولية أو مدن مهمة ومؤسسات خاصة اكثر انخراطا في النشاطات الدولية في ظل انتشار مفاهيم العولمة المتنوعة.

وهذا ما ساعد على ظهور مفهوم الدبلوماسية الموازيةوهي دبلوماسية دون المستوى الوطني تكون داعمة ومكملة للدبلوماسية التقليدية للدولة تعتمد كفاءة الأداء والقدرات تتكفلها جهات غير المؤسسات الرسمية المخولة بالعمل الدبلوماسي على ان لا تتقاطع مع بعض.

ومع دخول مفهوم القوة الناعمة على خط التعاملات الدولية معتمدة على العوامل الثقافية والشعبية والسياحية للتأثير على سلوك الدول الاخرى ساعد على إبراز دور بعض المدن لتكون فاعلا دوليا باستخدام أليات وتكتيكات تقوم بين الجاذبية التلقائية والتأطير والتشبيك وتحديد الاجندة فقد عقدت مقاطعة ( كيبك) الكندية مع فرنسا اتفاقيات ثقافية في ستينيات القرن العشرين ، وكذلك قامت ولاية كاليفورنيا الامريكية بفتح مكتب خاص بها في العصمة الصينية بكين عام 2013.

وفِي دراسة قام بها الباحثانQingquan و Jifangعلى بعض المدن الصينية لتقدير قوتها الناعمة لتكون فاعلا دوليا وضعا ستة معايير لابد من توفرها لتكون المدينة مؤهلة لتلعب دورا خارجيا.

سنحاول في هذه المقالة المقتضبة ان نسقط هذه المعايير على مدينة النجف الأشرف وبيان إمكانية ان تكون لاعبا في الساحة الإقليمية والدولية وداعما للدبلوماسية الحكومية التي تثار عليها بعض الاشكالات.

1- المعيار الاول: الجاذبية الثقافية
تمتلك مدينة النجف إرثا ثقافيا كبيرا حيث تضم عدد من المراقد المقدسة والأماكن التأريخية وتشهد سنويا العشرات من المناسبات الدينية والتراثية والثقافية أضافة الى تأثيرها الروحي الكبير على اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام او المذاهب الاخرى كونها مصدر الفتوى الشرعية والفقهية وبوابة الجدل الفكري والديني التنويري الواعي مما جعلها مقصد كل الباحثين والمفكرين والكتاب للتزود لمعارفهم المتنوعة وأليها تشخص أبصار للدارسين وصار مدرسة النجف محل افتخار للدارسين فيها لذا يتطلب التواصل وتوظيف هذا التواصل مع هؤلاء الدارسين الذين قد يتبوئون مناصب مهمة رسمية او شعبية في بلدانهم على بناء علاقات ثقافية وسياحية مع مدينة النجف بما يضمن المزيد من التفاعل والتأثير المتبادل.

2- المعيار الثاني: التأثير الإقليمي
ويقصد به التأثير الذي تملكه المدينة في إطار الدولة وخارجها وهذا ما تتميز به النجف بقوة كبيرة حيث تتشرف بوجود زعامة الحوزة الدينية التي تملك هذا التأثير الروحي الكبير على القيادات والشعب وصارت آرائها السياسية والدينية والاجتماعية محط اهتمام وتفاعل المنظمات الدولية والحكومات الخارجية التي تقصدها للاستئناس بأطروحاتها ، كما ان هذه المرجعية تملك اتباع ومؤيدين في المحيط الإقليمي والدولي كما لها نشاطات متعددة في عدد من الدول المجاورة وهذا يولد استعداد الكثير من الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية الرغبة للعمل في المدينة وبمختلف النشاطات الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياحية.

3-المعيار الثالث: التماسك الاجتماعي
أعطت مدينة النجف الأشرف فيها هذا المعيار صورا إيجابية كبيرة في مراحل زمنية مختلفة يمكن ان نستشهد منها لموقفين في وقتنا الحاضر.
الاول هي استضافتها لألاف العوائل من المناطق الشمالية والغربية اثناء احتلال الدواعش لمدنهم مع تقديم اروع صور التلاحم الإنساني وتقديم متطلبات الحياة الكريمة لهم دون النظر الى الخلفيات الدينية والمذهبية.

والثاني هو ما شهدته المدينة من حالة التكافل الاجتماعي إبان تفشي وباء كورونا لتعبر عن أصالة قيمها وسمو أخلاقها بحملات رائعة للتكافل الاجتماعي للعوائل المتعففة.

4- المعيار الرابع: مستوى النخبة التعليمية
تحتضن النجف نخبة من الكوادر النخبوية الكبيرة على الصعيد الديني والطبي والأدبي والأكاديمي تعكف بشكل يومي على إصدار عديد المؤلفات والكتب والبحوث والدراسات بمختلف الاختصاصات ومنهم من استقطبتهم الجامعات والمؤسسات العالمية المشهورة كماحضرين وباحثين كما ان المدينة تضم عدد من الجامعات والكليات الرصينة في كوادرها ونتائجها ومخرجاتها وأكاد اجزم ان ليس هناك اختصاص الا وللنجف فيه اسم بارز ومعروف ولا تحتاج النجف الا تفعيل هذا التواصل وعمل التوأمة مع الجامعات العالمية لخلق التأثير المتبادل على الساحة الدولية في هذه الاختصاصات وجلب المؤسسات العالمية الى المدينة.

5- المعيار الخامس:قدرات الابتكار العلمي والاداري
وباستطاعة النجف منذ عشرات السنين ان تضع نفسها في هذا المجال عبر مجموعة من الأسماء النجفية السابقة واللاحقة التي وضعت بصمتها في العديد من براءات الاختراع وإنتاج المكائن والعد والصناعات المحلية المختلف.

كما تعمل اليوم الولايات المتحدة في تصدير ثقافتها عبر الأكلات السريعة كعلامة تجارية خاصة بها تشتهر المدينة بإنتاج اطعمة مثل رد عنبر المشخاب الموجود حتى في الاسواق الامريكية وكذلك الدهين والطرشي النجفي.

6- المعيار السادس: الاعلام ونقل الصورة
وهذا الجانب يحتاج الى تفعيل اكثر واستثمار التطور الكبير الحاصل في وسائل الاتصال للتعريف بهذه المدينة وانتاجها ونشاطها المتنوع لجذب العالم الخارجي لها من خلال القنوات الفضائية المتعددة وكذلك في صفحات التواصل الاجتماعي لبيان واقع المدينة العلمي والصناعي والاستثماري والزراعي والخدمي والتعريف بالنشاطات الدينية والسياحية والعلمية والرياضية والثقافية والسياسية حتى لاتنحسر عند المتلقي صورة احادية عن مدينة النجف.

أعتقد شخصيا ووفقا لهذه الدراسة ان مدينة النجف الأشرف مدينة مؤهلة لان تكون وحدة فاعلة على الساحة الإقليمية والدولية والانتقال بها الى مصاف المدن العالمية اذا توفرت الإرادة الحقيقية لمن هم في موقع المسؤولية للتعاطي مع الموضوع بشكل اكثر تفصيلا مما ذكر في المقال.

واعتقد ان شرف انتمائنا لهذه المدينة وإنصافا لسيد البلغاء أب النجف وسيدها ان نسعى لخلق هذا الدور لنجفنا الأشرف

 

679 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments