توظيف اللهجة الجنوبية في الاعمال الهزلية الى متى؟

اخبار العراق:

هاشم الهاشمي

جرت العادة على ان تكون اللهجة الجنوبية هي لهجة الفكاهة والسخرية واضحاك الجمهور في الاعمال الهابطة التي اجتاحت المسرح والتلفزيون العراقي فترة الثمانينات من القرن الماضي ابان الحرب العراقية الايرانية.

ورغم ان العراق في تلك الفترة كان يزخر بالملاكات الفنية التي تضاهي في امكانياتها الذاتية وابداعها الاحترافي ارقى الملاكات من نظيراتها في العالم العربي ، غير ان معضلتها الاساسية كانت تكمن في احتكار السلطة المستبدة لجميع وسائل الانتاج والتمويل مما جعل الانتاج الفني مقصورا على رغبة المؤسسة المنتجة والتي كانت توجه جميع النشاطات الثقافية لصالح (المعارك القومية) التي يخوضها العراق (نيابة عن الامة العربية).

فضلا عن ذلك فان الممثل والكادر الساند له هم بالنتيجة من المواطنين الملزمين باداء الخدمة العسكرية ونيل شرف القتال ضد (العدو الفارسي) ولم يكن امامهم من مجال لاداء تلك الخدمة الا في صنف التوجيه السياسي مما يعني تكريس جهودهم للعمل (سخرة) في الحملة الساندة للمجهود الحربي ، وهنا كانت المفارقة المبكية في ان توظف جميع الجهود المبدعة من اجل انتاج فني هزيل اصطلحوا عليه -من باب حفظ ماء الوجه- بالمسرح التجاري او المسرح الجماهيري باعتبار ان الجمهور نفسه لم يكن بمنأى عن التسطيح الثقافي الذي يضمن للنظام المستبد سوقه الى محرقة الحرب صاغرا مستكينا.

ولان الفئة التي استهدفها التسطيح الثقافي كانت الشريحة الاكثر فقرا وخضوعا لاشتراطات الواقع الذي فرضه نظام البعث وهم الذين وصفهم احد منظري الفكر القومي بانهم وفدوا للعراق مع (الجواميس) التي جاء بها القائد العربي محمد القاسم واستوطنوا المنطقة الاكثر صلاحية لعيش الجاموس وهي منطقة الاهوار في جنوب العراق ثم اضطروا للتأقلم مع المنطقة وطبيعتها السكانية فاعتنقوا الاسلام ودانوا بمذهب التشيع الذي كان وما زال سائدا في تلك المنطقة ، وهذا هو الموضوع الذي شكّل لاحقا اشكالية اجتماعية كبيرة ترتبت عليها اثار سياسية نتج عنها حرمان هذا المكون العربي الاصيل من مكونات الشعب العراقي من حقوقه السياسية والاجتماعية باعتباره مكونا وافدا وليس اصيلا في هذا البلد.(*)

ولم يكتف النظام البعثي الاستبدادي بسوق ابناء الجنوب الى مذبحة حرب الشمال وحرب ايران في جيشه النظامي او جيشه الشعبي ، او سوقهم الى اعواد المشانق واحواض التيزاب باعتبارهم خونة ومرتدين بسبب انتمائهم الى الاحزاب الاسلامية او الى الحركات اليسارية ، بل وظف اللهجة الجنوبية العراقية في الاعمال الفنية الهابطة التي تنتجها دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والاعلام امعانا منه في اذلال هذا المكون الاصيل الذي التزم خط المعارضة (الصامتة او الناطقة) وآثر ابناؤه ان يعتنقوا شتى العقائد الفكرية والسياسية عدا عقيدة البعث الذي تصدت له مرجعيات دينية وسياسية كبيرة ومهمة فاسقطته من عيون ابناء هذا المكون خلا قلة ممن كانت له تطلعات لم يجد غير سبيل السباحة مع التيار سبيلا يوصله اليها ومع ذلك فأن النظام البعثي لم يثق ابدا حتى بتلك القلة من الذين اعتنقوا عقيدته.

ويبدو ان بعضا من ممارسات البعث البائد قد تحولت الى ثقافة وانتجت سياقات عمل مازالت مستمرة الى يومنا هذا ، فبعد عقد من الزمان على زوال النظام الاستبدادي مازالت اللهجة الجنوبية هي وسيلة الفكاهة والاضحاك في اغلب الاعمال الفنية التي بدأت تنتجها الشركات الخاصة والمنتجون الاهليون وبرأيي ان مرد ذلك يعزى الى سببين رئيسيين:

الاول. ارتباط بعض شركات الانتاج الفني بالمنظومة الفكرية التي انتجها حزب البعث المقبور وتبنيها لاجنداتها رغم زوال العنوان الاصلي.

الثاني . ان اغلب المنتجين ليست لديه الامكانيات المادية اللازمة لانتاج اعمال درامية رصينة فيحاول ضغط وتقليص نفقات الانتاج الى اقل حد ممكن فيعمد الى اختصار المشاهد التي تتطلب انفاقا كبيرا لتهيئة الموقع والديكور المناسبين ويستعيض عنها بالطبيعة الريفية وبيوت الطين فتأتي الاعمال الدرامية ضمن البيئة الريفية واجواءها المتوفرة في القرى الجنوبية ، وقد فتحت النجاحات التي حققتها الاعمال البدوية الاردنية التي راجت في سبعينات القرن الماضي شهية المنتجين للاستثمار فيما يناظرها داخل البيئة العراقية لاسيما وانها لاتكاد تكلف شيئا سوى اجور الممثلين وبعض الديكورات البسيطة والرخيصة.

في الحقيقة انا لا ادعي اني اول من تناول هذا الموضوع المهم – استخدام اللهجة الجنوبية كوسيلة للاضحاك- بالرصد والكتابة ولكني اعتقد ان الموضوع لايمكن معالجته بمجرد الانتقاد او استخدام سلطة الدولة لمواجهته اولا لعدم وجود قانون ينظم العمل الفني وثانيا لاننا سنحكم على الانتاج الفني بالاعدام في ظروف تعاني فيها الكوادر الفنية من قلة العمل وشظف العيش ومحاولات استثمارها في الاستقطاب السياسي او للدعاية الانتخابية ، وان مثل هذه الظاهرة تحتاج الى دراسة اوسع من هذا المقال واكثر تخصصا واحترافية ، ولكني احاول ان اثير هذا الموضوع الحيوي الذي هو انعكاس لازمات متعددة ومتراكبة واحاول اخراجه الى دائرة الضوء ليتمكن المختصون من معالجته وعدم السماح باستمرار تلك المهزلة بلا نهاية.

وفي سياق ما تم تشخيصه من اسباب يمكن ان اطرح المعالجات التالية:

اولا. تشريع قانون ينظم العمل الفني باعتباره استثمارا اقتصاديا من جهة ولكونه يعالج جوانب مهمة من الثقافة العراقية ومنظومة القيم الاجتماعية الوطنية من جهة اخرى ، ويتم بموجبه تحديد حقوق وواجبات الجهات ذات العلاقة.

ثانيا. ان تقوم وزارة الثقافة العراقية بانشاء مدينة متكاملة للانتاج الفني في احدى محافظات العراق ذات الطبيعة المناسبة (بابل او الديوانية مثلا) يتم تاجيرها الى الشركات والمنتجين الاهليين باسعار مدعومة لمساعدتهم في انتاج اعمال فنية اكثر رصانة ، وتوفر لهم جميع الامكانيات اللازمة لانجاز عملهم ولا اعتقد ان كلفة انشاء مثل هذه المدينة ستتجاوز ربع قيمة انشاء المدينة الرياضية في البصرة ، كما انها ستوفر فرص عمل لاعداد كبيرة من العاملين في مجالات الميكانيك والنجارة والاضاءة وغيرها من مستلزمات اعداد الديكور.

ثالثا. توفير قروض مالية للمنتجين الاهليين وفق ضوابط مناسبة للاعمال التي لاتنتهك القانون الذي اشرنا اليه انفا.

رابعا. ادعو جميع الكتاب والمثقفين الى رصد الحالات التي تعد اسفافا لايليق بالثقافة العراقية ولايحترم خصوصية مكونات الشعب العراقي والتنبيه اليها.

ارجو ان تحظى الافكار التي تناولها هذا المقال باهتمام الجهات الحكومية ذات العلاقة وان تكون مقترحاتنا لبنة من لبنات بناء عراق ناهض ومزدهر يستثمر جهود ابنائه وابداعاتهم في انتاج ثقافة وطنية رصينه ، والله تعالى من وراء القصد.

359 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments