أزمة الاسلام السياسي الشيعي

أخبار العراق: ابراهيم العبادي:

تشكو القوى الاسلامية عموما من شراسة المواجهة التي تخوضها دفاعا عن حقها في التشكل والوجود ،وتفتخر في الآن ذاته بأنها مستعدة للتضحيات دائما لانها  تعبر عن توجهات الناس ومعتقدهم وقيمهم واحلامهم ،فصارت سمتي الشكوى والنرجسية ملازمتين للقوى الاسلامية ، فهي ترفض النقد والمراجعة ،  وتعدهما مساهمة في دعم المشروع المضاد وتقويض لاهدافها  ،وتصر على استكمال شوط العمل السياسي حتى بلوغ الحكم والسلطة ، دون ان تبالي بالخسائر التي تستلزمها مسيرة العمل  ،فكل هذه الخسارات محتملة ومسوغة مادامت جزء من الصراع (الحضاري) مع اعداء المشروع الاسلامي ،التعبير هنا عن الذات الاسلامية تعبير هوياتي (ماهوي )فماعداه مصنف في  خانة الاعداء ،  أو هو في احسن الاحوال لايندرج ضمن مشروع الدفاع عن الامة وكرامتها وقيمها واهدافها !.

من منظور الهوية هذا ،الذي يغدو معيارا ثابتا ،يتعامل الاسلاميون فيما بينهم ومع غيرهم وفق اسلوبي التكتيك والستراتيجية ،فلتحقيق الهدف الستراتيجي الكبير ، لامانع من الدخول في تحالفات قصيرة الامد او ائتلافات مرحلية مع غير الاسلاميين من قوى وطنية او قومية او يسارية  ،فالتاريخ الحركي الاسلامي يسبغ الشرعية على امثال هذه التحالفات ولايعدها مخالفة للمباديء والقيم العامة ،بل مقبولة ومشروعة طالما انها تخدم المشروع الكبير اولا ، ووسيلة لتعبئة طاقات الامة نحو اهداف نبيلة ثانيا ،وتمرين من تمارين العمل السياسي في بيئة متعددة المشارب والاتجاهات ثالثا .

هكذا كانت الادبيات التنظيرية الاسلامية المكتوبة والشفوية تقارب الامور السياسية تخطيطا وتحليلا.

في التطبيقات العملية وجدنا ان اصعب التوافقات والائتلافات هي التي تجمع الاسلاميين انفسهم ،وان اهونها كانت بين الاسلاميين وغير الاسلاميين ،العقدة الكبرى هي في كيفية  تجميع  المتماثلين في الايديولوجية السياسية ا(الاسلاموية) ،فالاختلافات الحزبية والشخصية والتباينات والتمايزات من الكثرة بمكان ، بحيث يصعب توحيد مواقف هذه القوى وتجميعها  الا في حالات محدودة ومعدودة ،والا فان الانشقاقات والتشرذمات والانقسامات بقيت  صفة اصيلة ملازمة للعمل السياسي الاسلامي المعاصر ،  بما عطل  كثيرا مسيرة هذا العمل وافقده التماسك النظري والقيمي والاخلاقي في كثير من الاحيان  ، واضاف للمشكلات السياسية والامنية القائمة ، مشكلة الصراعات بين الاسلاميين انفسهم ،فهي صراعات لاتقل ضراوة عن ما جرى ويجري بين  الاسلاميين والعلمانيين  على الحكم في بلداننا.

قد تبدو هذه المفارقة طبيعية في خضم تبدلات الحال السياسي بما فيه من  صراع اجيال وحركية مفاهيم وتبدل شعارات وتعدد نظريات واساليب  ،لكن غير الطبيعي في الامر ،بلوغ الصراع بين تيارات وقوى (الاسلاميين)  مستوى صراع ارادات ومشاريع ،تعطل مسيرة الدولة وترهن مصائر ومصالح الناس وتجعلها معلقة على رؤى وأهداف غير مفهومة حتى لدى جمهور هذه القوى المتصارعة !!؟

في ثمانينات القرن الماضي كتب الاسلامي المتحمس من اصول هندية والمقيم في بريطانيا المرحوم الدكتور كليم صديقي عن( التوحيد والتفسيخ بين سياسات الكفر والاسلام) فالاسلام بطبيعته يدعو الى التوحد والوحدة لان جوهره التوحيدي يوحد غايات الموحدين ويجعلهم امة واحدة ،فيما يقود الكفر (بالمنظور التوحيدي )الى انقسام الناس وتشرذمهم وتصارعهم امما وجماعات واحزاب ،  كل حزب بما لديهم فرحون.

بعد عقدين من الزمن ، وبعد تكاثر صراعات الاسلاميين المذهبية والطائفية والحزبية والرؤيوية ، كتب استاذ الاسلاميات في الجامعة اللبنانية رضوان السيد عن (الصراع على الاسلام )،فالصراع الدائر في المنطقة العربية خصوصا والاسلامية عموما ،اصطبغ بصبغة الطهرانية والصوابية ، من يمتلك هذا الاسلام ومن يكون ممثلا له ، اي النسخ الاسلامية هي الاصح والاحسن والاكثر شرعية  ،ومن له الحق في فرض هذه النسخة ،نسخة الاسلام الحركي السني ام التقليدية الاسلامية ،؟نسخة السلفية الدعوية ام الجهادية ؟ ،النسخة الاخوانية ام التحريرية ؟ والامر ذاته يدور داخل الدائرة الاسلامية الشيعية حيث تعدد المشارب والاتجاهات والمرجعيات الحركية والسياسية.

في العراق الذي اتيح فيه  للاسلاميين الشيعة دخول العمل السياسي وممارسة الحكم والادارة والتثقيف من اوسع الابواب ،صارت التعددية الحزبية (تيارات ،احزاب ،فصائل )مشكلة بذاتها ،من يجمع هولاء الذين اختلفت تصوراتهم واهدافهم ومشاريعهم ؟ ومن له القدرة على اقناعهم وجعلهم ينصاعون لامر جامع ومصلحة  يُخشى من فواتها ويترتب على فواتها (بلغة الخطاب الاسلامي )  مفاسد كثيرة؟

سيكتشف الجمع ان التوحيد العملي ليس كالتوحيد النظري ،وان التفسيخ الذي تحدث عنه كليم صديقي يكاد يطيح بالجماعة السياسية الواحدة ،واصبح دعاة التوحيد يبحثون عن مخرج لازمتهم وازمة الدولة والمجتمع عند (المستقلين )فلعل الحكمة والحكومة تولد على يد غير الاسلاميين ودع اجيال الاسلاميين التي اضاعها التفكير الشعبوي والزعاماتية النرجسية تتيه في صحراء النزاعات.

لكن السؤال الجوهري سيبقى كما هو بلا جواب ،لماذا وصل الواقع السياسي الى حد الانسداد؟ ،الا يستطيع الاسلاميون الشيعة التفاهم على الحد الادنى الذي ينقذهم وينقذ الدولة من الانحدار المخيف الى المجهول  ؟  من الواضح ان ازمة الانسداد  الراهنة هي ازمة القوى الاسلامية الشيعية اساسا ،ومتى مانجحوا في حلحلة (ازمة الثقة )بينهم فان مشكلة الحكم ستدار بنحو اكثر سهولة مع القوى الاخرى ،مشكلة الاسلاميين الشيعة هي مشكلة رؤية ومؤسسات وادارة ،فقد  اداروا معضلة الاختلاف  فيما مضى من السنين ، بالتحلي بالواقعية والتنازلات المتبادلة والترضيات التي يقوم بها طرف مهيمن ووسيط ضاغط ،عندما وصلوا الان الى طوباوية العلاقات والرؤى والمشاريع ،توازنت الاوزان وتعادلت الحجوم  والامكانات ،  وصاروا كعربتي سفيرين التقتا  في زقاق يرفض احدهما التراجع امام الاخر لان في ذلك أهانة لمركزه ودولته ،كان هذا الحال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل ان توضع قواعد الحركة والبروتوكول الدبلوماسي ،الان نحن نحتاج الى من يضع قواعد وبروتوكولا ملزما ينظم العلاقات بين الاطراف الشيعية ،  مثلما يحتاج الكرد والسنة الى ذات البروتوكول ،فمازلنا نعيش في دولة المكونات وبعيدون عن دولة المواطنين ،دولة الجماعات السياسية المتشرذمة التي تدافع عن مصالحها ووجودها بقوة السلاح وسلاح الرصيد المذهبي والقومي والاثني.

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

62 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments