أين نحن من ثقافة الحوار وقبول الآخر

أخبار العراق:

شاكر كريم عبد

الحوار هو لغة التفاهم بين الناس، لغة الرأي والرأي الأخر بوصفه سلوكا اجتماعيا حميميا، وحين نقطع جسور التواصل والتفاهم، نقطع لغة الحوار ونقمع الأخر، كون الأخر على خطا دائما مثلما نعتقد، على نحو من الدوغمائية، حيث التعصب لفكر ورفض الأفكار المخالفة له.

يقول الإمام الشافعي :رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطا يحتمل الصواب، وهكذا نرى ان صاحب كل رأي يجد نفسه على حق وعلى الصواب، إلا أن الأخر حين يناقش هذا الرأي بروح موضوعية هادئة، وعقلانية واعية، ولغة منطقية سامية، لابد أن يجعلنا نعترف بصواب ماذهب إليه، وخطا ماذهبنا إليه، هذا السمو الحضاري في الحوار، والإصغاء إلى الرأي الأخر، هو ما نحتاج إليه ألان وفي كل زمان ومكان.

إلا أن الملاحظ لدى الكثير من السياسيين او الطارئين على العمل السياسي، قناعتهم الكلية بآرائهم، ورفض كل رأي لايتفق مع ما ذهبوا إليه بوصفه يتقاطع مع مصالحهم الذاتية ومع محدودية أفكارهم التي تظل ساكنة لاتعرف التطور، باعتبار ان تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك، كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وديننا عَمل بهذه الثقافة، كما تاريخنا.

فالإسلام له دور كبير في تعزيزها بقول الله تعالى (وشاورهم في الأمر) و (وأمرهم شورى بينهم)، في إشارة الى أهمية احترام الرأي والاختلاف للتوصل إلى الحكمة والدقة في كل شيء في الحياة و يحمل ديمومة أن يكون على النحو الذي يتطلبه الموقف. في حين نجد الذهنية الساكنة، ذهنية جامدة، خاملة عافت الاجتهاد، وتخلت عن اليقظة، وانكمشت على نفسها لتعيش في الظل بعيدا عن متغيرات الحياة. مما يجعلها في حالة الموت الذي يقطع صلته بكل ماهو حي ومتحرك وفعال.

ان كثرة من الندوات وحلقات المناقشة والحوارات التي تغطيها أجهزة الإعلام السمعية والمرئية والمقرؤة، تشهد بوجود قطيعة من الرأي الأخر، وكأن الأخر عدو ينبغي ان يقاوم رأيه بكل السبل، كما ان أفضل الحالات الحوارية تطرح كما لو أنها مسلمات قطعية ينبغي علينا جميعا الاستسلام لها وتنفيذها والسير وفق كل ما ذهبت إليه، الأمر الذي يحول الحوار من الاجتهاد إلى إملاء المعلومة من أستاذ إلى تلاميذه، وليس لهم أمر دحضها بل قبولها والانصياع لها وحتى أداء الامتحانات في تفاصيلها، وحين يخفق الأخر في ” حفظها” او ” يجتهد” في رأي خارج من صلب، أصلها لايعد صاحب هذا الرأي سوى إنسانا فاشلا او عدوا لدودا.

كم نحن بحاجة ماسة وضرورية للحوار الآن، أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل تنامي حالات الكره والبغض والتشاحن، وزيادة في منسوب الطائفية والعصبية والفئوية، الأمر الذي تسبب في صراعات وصدامات ومواجهات بين المختلفين والمتباينين، إذ يُحاول كل طرف شيطنة الطرف الآخر وإقصائه وتهميشه مدعياً امتلاكه للحقيقة المطلقة والوصاية الكاملة على المجتمع، رافضاً كل مساعٍ للحوار أو الالتقاء أو التقارب.

الغريب في الأمر ان ثقافة الرأي الأخر أوصلت من يخالفنا الرأي نحاربه برزقه ومسكنه وأرضه بل حد تصفيته وهذه صفة خسيسة، فكم رثينا من شهداء الحرف والرأي، في حين من النبل أن لانحارب من خالفنا الرأي لأنه مهما اختلفت الآراء باختلاف القناعات تبقى الحياة حقا جليا لايسلبه الا من وهبه، نعم، قد يكون الحوار هو الحل الأمثل للكثير من المشكلات والأزمات والتحديات التي تواجه المجتمع وتتسبب في تشنجه وتطرفه وتخلفه، ولكن ذلك لن يحدث إلا إذا آمنا بأن الحوار ليس غاية ولكنه ممارسة.

إن الرأي الأخر كما يقال لايفسد للود قضية، والحوار مع هذا الأخر، إصغاء إلى وجهة نظر قد تشكل إضافة جديدة ومعطيات خلاقة، من شانها أن تتقدم على ما ذهبنا إليه من آراء من هنا تجيء الدعوة ، نقية مخلصة داعية إلى مزيد من الحوار مع الأخر، ذلك ان الإصغاء إلى الأخر، يشكل مرجعية حقيقية وتأملا موضوعيا، ورؤية تضاف الى رؤى، يمكن أن ترتقي بنا وتتقدم نحو فاعلية جادة وجديدة وجديرة بالانتبــاه والاحترام، وهذا هو الفرق بين سلوك واع متـــحضر، وسلوك متخلف جامد لايركن إلا إلى صدى صــوته وأزيز الرصاص.

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

447 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments