البيت الشيعي الجديد و الإستفادة من التجربة اليهودية الناجحة

اخبار العراق: رصد المحرر..

(الشيعة العراقيون) على وجه الخصوص، ليسوا جميعهم ابناء الخط (الرسالي)، كما انهم ليسوا بالضرورة أعداء لهذا الخط.

أخطاء قادة التيار الاسلامي الشيعي تكمن في افتراضهم ان غير المنتمي حركياً لهم بمثابة الخارج من الملة او في محل شبهة ما !!!.

انا بحكم تجاربي استطيع ان أقول ان كل الجمهور الشيعي هو شيعي بما فيهم الشيوعيين. فمصير الطائفة وتكاتفها ونجاحها شيء وموضوع التنظيمات الحركية شيء اخر، وهذه هي نقطة الفراغ التي سقط فيها التحالف الوطني، ما جعله يخسر الكثير من جمهوره لصالح كتل اخرى.

كنّا نقول في أوقات سابقة بضرورة التمعن في التجربة اليهودية التي نجحت في اخضاع العالم، وان فلسفة هذه التجربة يقوم على فكرة ان (كل اليهود هم يهود في العالم)، لا فرق بين علماني وغير علماني، مادام يوجد تحدي وجودي واثبات ذات.

الذي اعرفه ان المرجعية في النجف مالت لمشروع البيت الشيعي الجامع، وكانت ترغب به، لكنه جاء غير مكتمل ليتمكن من تحقيق حلم دولة العدالة الاجتماعية، وهي الان عندها استعداد لتكرار تجربة الـ 169 لكن مع سياسيين جدد، او جيل جديد، لانها فقدت الثقة بالطبقة السياسية التي فشلت اكثر من مرة.

الذي فهمته من المرجعية انها مع تحالف وطني بجيل جديد، او الذهاب باتجاه وضع قانون انتخابات عادل، لا حلول اخرى، وهي تمتلك القدرة على التحمل والصبر حتى تتعقد الامور اكثر لدرجة يستسلم فيها الجميع وتفشل كل الحلول الترقيعية. طبعاً المرجعية عندها قدرة على التحمل ولا احد يجاريها في ذلك، والذي يتنافس مع المرجعية بلعبة (عض الاصابع) سوف يخسر.

المرجعية تعرف ان السياسيين يجدون فيها (طوق النجاة) والجميع يعرف بما فيهم الإرادات الخارجية ان تدخل المرجعية سيكون حاسماً، خصوصاً عندما تنطق بجمل واضحة، مثلما حدث مع (فتوى الجهاد الكفائي)، مع إنني افهم انها دعت للجهاد ضد الفساد عندما قالت (الضرب بيد من حديد) لكن السيد العبادي لم يستفد من هذه الفتوى.

لا يجب ان نشعر باليأس من موت التحالف الوطني الاول، فهذه سنة الحياة، ولكل دورة حال واحوال، بقدر ما علينا التفاؤل بالتحالف الوطني الثاني (البيت الجديد) والذي يفترض ان يكون أنضج وأكثر اتساعاً وفهمًا.

نحتاج الى (وثيقة مبادئ شيعية) …
يبدو لي ان التخوفات لدى القوى الشيعية السياسية ليس سببها فقط التنازل عن ابتلاع المزيد من المال العام العراقي، فقد تم جمع ما يكفي على ما يبدو حتى الآن، وانما الشعور بعدم الأمان في مرحلة ما بعد الاصلاحات، والتي تخيف الجميع وتمنعهم من الاعتزال السياسي، وتمنعهم حتى من استثمار ما تم اكتنازه.
هذه تخوفات طبيعية بصراحة، ولكن لاجل ان تزال هذه التخوفات يتطلب التوصل الى تطمينات من خلال (وثيقة مبادئ) يتفق عليها الجميع. وهي وثيقة يمكن اقرارها بالنجف ويمكن ان تكون جسر للعبور.
حيث ان المطلوب عدم الملاحقة السياسية على طريقة الاجتثاث، وان لا تتكرر مجدداً عمليات الاقصاء سواء بعنوان (صولة الفرسان) او بعنوان (الصولة على حيتان الفساد). ويتحول الموضوع الى القضاء النزيه والعادل.
اذا تمكن البيت الشيعي من صياغة وثيقة مبادئ رصينة ومحترمة، وتكون ملزمة للجميع، اشبه بقواعد الاشتباك المقدس للشيعة، فسوف نتمكن من بناء بيت متماسك.
هذا النوع من الوثائق موجود في التجربة اليهودية، والتي هي احد أسباب تماسكهم ونجاحهم في حكم العالم.
وثيقة المبادئ ممكن ان تكون اشبه بنظام داخلي للقوى السياسية الشيعية.
هذه المبادئ تقوم على فكرة (لا اطعنك في الظهر + لا اطعنك تحت الحزام)، ولكن (لا تطغى وتتكبر + لا تبتلع المال العام).

نهاية (زمن الخذلان) …
إن فكرة الخذلان التي يشعر بها جميع ابناء الطائفة الشيعية في العراق تتطلب وقفة حقيقية وجادة، فأنا قد سمعت تخوفات كثيراً من الأخوة في كتائب حزب الله عن الخذلان والغدر من داخل البيت الشيعي، وسمعت ذلك من العصائب ومن جيش الامام ومن كل الإخوة المجاهدين.
وسمعت ايضاً السيد المالكي لديه تخوفات، وايضاً السيد الحكيم والصدر وبقية زعماء الطائفة، وهذه مؤشرات خطيرة على هشاشة بيتنا.
اما قصة الخذلان التي كان يتحدث عنها الدكتور الچلبي رحمه الله، فهي قصة القصص.
علينا ان نستعين بمباديء التجربة اليهودية لاجل ان نتوحد في مواجهة هذا الزمن الأغبر. ويجب ان لا يشعر الشيعي انه مستهدف من قبل أهله. وهو ما يدفعنا للبحث بجدية عن أسباب ذلك، ومن هذه الأسباب التكبر والطغيان والفساد، والمصالح الشخصية فوق الحد المطلوب لهذه الدنيا الفانية.

التجربة اليهودية..
احياناً أفكر بالتجربة اليهودية، وكيف خلقت علاقة بين الدينيين واللادينيين، وكيف وفرت مناخات تسمح لجميع أشكل التيارات الاخرى بالعيش والنمو، فدولة اسرائيل القائمة على فكر وعقيدة دينية عميقة، كان الذين أسسوها رجالاً ملحدين، وهي حتى هذه اللحظة تضع اعتبارات كبيرة لمراجع الدين، الا ان السياسيين هم الذي يحكمون في النهاية.
الرجال الأوائل الذين اسسوا دولة اسرائيل عرفوا كيف يعجنون النظم الحديثة مع ما هو موروث عقائدي قديم، وعرفوا كيف يروّجون لثقافة جديدة اساسها ان ليس كل شعب اسرائيل حاخامات، وهذا سمح بوجود التنوع بكافة اشكاله بما فيها وجود عرب مسلمين في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

الأهم في الموضوع، وبغض النظر عن الموقف الاخلاقي من دولة اسرائيل، الا ان هذه الدولة لا تصنف ضمن النظم الفاشية في العالم، كحال العديد من النظم العربية القومية التي عايشناها، والتي تتبنى العلمانية صراحة، فالعلمانية العربية البعثية مارست نوع من التعالي الطائفي والقومي على جميع الأقليات في المنطقة، وهذا فتح شهيتها لابتلاع التنوع بكافة اشكاله فيما بعد، فأصبحت في النهاية نظم مستبدة وطاردة.
التفكير بالتجربة اليهودية (الشرقية) قد يساعد في إيجاد مخرجات جديدة.

كنت قد كتبت هذه الأفكار في عام 2016، واليوم أعيد نشرها في إطار الصحوة الشيعية الثانية التي أَجِد انها بدأت تتكون من جديد بعد الصدمة التي تعرضنا لها في مطار بغداد والتي راح ضحيتها قادة كبار وشهداء عظام.

525 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments