الحرب البايولوجية: رحلة الانسان من التحضر إلى الوحشية

اخبار العراق:

عصام الزيات

يجتهد الإنسان لإنشاء حضارة، ويجتهد في ذات الوقت لوضع خطط إبادتها إذا أراد. حتى لو كانت تلك الخطط تعني أن يكون البشر جميعًا تحت رحمة عدو أكثر شراسةً منهم، مثل الجراثيم والفيروسات مثلًا. عرف الإنسان القتل باستخدام الجراثيم قبل أن يعرف الجراثيم ذاتها، وإذا كنّا اليوم نعرفها باسم الحرب البيولوجية، فإن السابقين لم يعرفوها بهذا الاسم. وإذا كانت الجهة مصدر الجرثومة أو الفيروس تحرص على تطوير ترياق يحميها من الهجمة البيولوجية، فإن السابقين لم يشغلوا بالهم بكيفية صنع ما يقيهم من سلاحهم.

ملاحظة بسيطة وجدها السابقون، وتصرفوا بناءً عليها. هناك بعض الأمراض تنتقل من إنسان لآخر، فلماذا لا يكون الآخر هذا هو جيش العدو! وإذا كانت هناك كائنات تقتلنا سواء كانت كبيرةً مثل الأفاعي السامة والعقارب، أو دقيقةً كالبراغيث، فلماذا لا نتحايل على إدخالها في بلدان أعدائنا كي تسبق سيوفنَا إلى رقابهم، وتصل إليهم أسرع من سهامنا ورماحنا! هكذا عرف الإنسان الاستخدام المُتّعمد للأمراض والأوبئة التي تُحدثها الجراثيم والفيروسات وغيرهما من الكائنات الحية كسلاح حربيّ لإبادة أو إنهاك العدو، وهكذا صار لكلمة الحرب البيولوجية تعريفًا.

في فترة بين أعوام 400 إلى 500 قبل الميلاد سُجلتأقدم حادثة من هذا النوع، المُتهم فيها شاعر ورجل قانون من أثينا يُدعى سولون، قام سولون بتلويث المياه الواصلة إلى مدينة كيراه بنبات الزين السام. في الحقبة ذاتها يحكي المؤرخون عن جيش السكيثيون، شعب بدوي ينحدر من أصول إيرانية. اعتاد جنود الجيش غمس سهامهم في جثث الجنود المتحللة قبل إطلاقها على العدو، وأحيانًا كانوا يغمسونها في بركةٍ من الدماء مخلوطة بالسماد العضوي.

الآشوريون كان لهم نصيب من حرب الجراثيم، لكنّهم كانوا القاتل لا القتيل. إذ وضعوا فطرًا سامًا في آبار المياه الواصلة لأعدائهم. الفطر يُدعى مهمان الجودر يصيب متناوله بالهلوسة، ويشتهر حاليًا كونه مصدر عقار الهلوسة الشهير إل سي دي. عرفت تلك الأفعال طريقها إلى الأدب الفارسي والروماني، فنجد في ثنايا المسرحيّات والآداب القديمة قصصًا عن حيوانات نافقة استُخدمت لتلويث مصادر مياه العدو. كما نرى أن هانبيال قد حقق نصرًا على أوومنيس الثاني من بيرجامون عبر إرسال سفن مليئة بالأواني الفخارية لداخل المدينة، وبداخل الفخار كانت آلاف الأفاعي السامة.

حضارة الرجل الأبيض

نبذة مختصرة عن تاريخ الحروب البيولوجية
دخلت البشرية عصر القرون الوسطى، خطوة نحو التحضر لكن الحرب البيولوجية أخذت خطوات هائلة نحو التوحش. ففي القرن الثاني العشر الميلادي استخدم القائد بارباروسا جثث جنوده المتحلله لتسميم مياه أعدائه في معركة تورتونا. وفي القرن الثالث عشر جنّد جنكيز خان طاعون الماشيةضمن جنوده التي لا ترحم. فتك الطاعون بحيوانات البلدان التي دخلوها، يُصاب الحيوان بفقدان للشهية ثم الحمى الشديدة ثم الموت بعد فترةٍ لا تتجاوز 10 أيام.

في القرن الرابع عشر، حاصر المغول إحدى مدن شبه جزيرة القرم، وألقوا بداخلها جثثًا مصابة بالطاعون كي يفتك الطاعون بالأعداء نيابةً عن جنود المغول. استسلم السكان بالفعل، لكن الطاعون لم يستسلم وواصل انتشاره في أوروبا ليفتك بالملايين غير مُتقيد بحدود الجغرافيا ولا بأهداف من أطلقوه. ثم في القرن الخامس عشر قدّم الإسباني بَزارو ملابس ملوثة بالجدري أثناء محاولة المستكشفين الإسبان احتلال أمريكا الجنوبية.

تزداد أعداد القرون ويبتعد الإنسان أكثر من حياة الغابة ويقترب من كونه إنسانًا متحضرًا، لكن ظلت الأسلحة البيولوجية شاهدةً أن الإنسان لم يتخلص من وحشيته بعد. عام 1710، الروس يحاصرون القوات السويدية في إستونيا، الحل الذي لجأ له الروس لإنهاء الحصار هو إرسال جثث مصابة بالطاعون لصفوف القوات السويديّة.

في زمانٍ أبعد من تلك الحادثة بـ 53 عامًا، وفي الهند البعيدة دارت حرب بين فرنسا والهند، لكن لجأت بريطانيا العظمى لنفس المبدأ. أرسل قائد القوات البريطانية غطاءين ومنديلاً كهدية لرؤوساء القبائل الهندية. الهدية لم تكن تلك الأقشمة، بل فيروس الجدري الفتاك. وحقق الفيروس مراد مُرسليه ففتك بمعظم السكان الأصليين.

تفرق الهنود في أماكن متفرقة ومتباعدة هربًا من الوباء. خَمل الفيروس فترة لكنه معركته معهم لم تنتهِ، وربما أُطلق عليهم لاحقًا، لا وجود لحقيقة مؤكدة بهذا الصدد. لكن الحقيقة المؤكدة أن الوباء عاد عاماً لينتشر بين عامي 1817 و1840 قاتلًا ما يزيد على نصف السكان الأصليين الذين نجو من هجمته الأولى. ثم هلكت البقية الباقية من السكان بين أعوام 1890 و1910.

الوباء جسر الاستعمار
معلومات أكثر عن الحروب البيولوجية
لن يكون من التجني الربط بين الوباء والاستعمار، فلم يكن الرجل الأبيض ليكتسح الأراضي الأمريكية التي اكتشفها لتّوه دون استخدام السلاح ا

489 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments