المثقف وهوس السلطة

أخبار العراق: حيدر نزار السيد سلمان:

بعيداً عن الجذور التاريخية للالتزام الثقافي أو مواقف كتّاب من أمثال الروائي الفرنسي «إميل زولا» الجريئة في دفاعه عن انتهاكات السلطة وتعسفها، ودون الدخول في التوصيفات الغرامشية للمثقف ودوره التبريري أو التثويري التغييري، وبعيداً عن تعاريف المصطلح وانطباقاته، إذ يُفترَض أن ننأى عن كل ذلك لكي لا نتيه في التجريد والسرد الممل المكرر في تفحصنا لدور المثقف أو مَن يُطلَق عليه النخبوي في العراق.

رغم كثرة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن يبرز فيها المثقفُ منشغلاً فاعلاً – وهو ما يحصل باستمرار- فإنَّ قدرة السلطة وفنونها في كسب المثقف إلى جانبها تبدو صريحةً ودالة على إنفتاح المثقف النخبوي للرضوخ والقبول بالتعاون المشترك مع هذه السلطة على حساب عضويته ووظيفته، فالاستعداد للاحتواء تجسّدت عند عدد ليس بالقليل من المثقفين، (سواءً أكان مصطلح المثقف ينطبق أو مجاف للحقيقة)، وانشَدّوا إلى مغريات السلطة ومقاعدها الفاخرة وامتيازاتها ولذّة التقرّب من موائدها بجلاء لم يشعروا معه بالإثم الأخلاقي والندم الوجودي، وتجسّدت أشكالُ التعاون أو غمض العيون في مواقف وحالات أبرزها في الاحتجاجات الشعبية في تشرين ٢٠١٩، والحيادية في النظر إلى الضحية والجلّاد والسكوت عن الأفراد المنضوين في منظومة السلطة ومبادلتها الحب والمجاملات. أمّا مسألة بناء الهوية الوطنية العراقية وقضايا أخرى ملحة وجاذبة للتدخل فيها ضمن الاطار العراقي وإبداء المواقف منها فلم تحفّز أغلب المثقفين العراقيين وتجذبهم بوصفهم أكثر انشغالاً بالكتابة عن الفكر الأوربي والمدارس النقدية الحديثة، مستغرقين في متاهاتها النظرية دون الخوض في ما يحدث ببلدهم تطبيقاً وتجربة، وليس هذا فحسب، فقد سال لعاب الكثير إلى اغراءات السلطة وتحوّل بعضهم إلى مُدافع علنيّ عنها رغم مآسيها واخفاقاتها، وأمسى الاهتمامُ بهموم الشعب وقضايا الوطن المقهور تَرَفاً وشغلاً لا يغني عن جوع ولا يروي ظمأ فساحوا بعالَم المُثل والتجريد وكأنَّهم يعيشون في المدينة الفاضلة الكاملة.

نحن أمام أكثرية مِن المثقفين غير الزهاد والبعيدين عن سِمات المثقف العضوي المندّك بقضايا شعبه وبلده، والمستغرق في نشر النور والفعل العقلي والمعرفي ضمن محاولاته للارتقاء بالناس إلى ما يريد من وعي؛ ولو تتبعنا سير النجاح للمثقفين في العالَم ومعاناتهم منذ عصر التنوير وإلى الآن لعرفنا الطبيعة الزاهدة والاستقامة والمثابرة التي اتصفوا بها، فكان التطابق بين حياتهم وفكرهم إلا عندنا، فهناك من يذرب لسانه وقلمه بالمثل والدعوة للتنوير والترقي والمبدئية في الوقت الذي يتغطّى بمعطف السلطة ويتجزء منها، ويزداد الأمر قتامة وخبثاً في صفة الشللية والتخادم بين مجاميع منهم في أعمال الترويج والاشهار والتقديم والتحالفات الدفاعية ضد كلّ بزوغ لأسماءٍ جديدة، إذ يتم الاطاحة بها وقطع طريق بروزها في عملية احتكار حاقد للرأسمال الثقافي والعناوين الرمزية واجهاض لكلّ قدرة ابداعية جديدة.

أمّا المجاملات التلطيفية البائسة واللجوء للعشيرة وتفويج الفاشلين والفاشلات لأخذ حيّز في عالَم الثقافة فهي مثيرة للاشمئزاز وجزء من الرثاثة السائدة عند البعض ممن يسرق الأضواءَ بفشله وتحالفاته وتخادمه مع أمثاله.

تضطرب الأوضاعُ العامّة في البلاد وتتزاحم عليها المعضلات وتنازع الناسَ الهيمنة السلطوية بوسائل التواصل الاجتماعي، ويغطّ الكثير من المثقفين في عالَم المثاليات والطوباوية ويستمتعون بالمؤتمرات والندوات والدعوات الاحتفالية المملة؛ ومع كلّ ذلك هناك قلة نادرة زاهدة، وهنا لا أريد الإشارة إلى الغرور والتعالي والنرجسية، فقد تكون ذو منفعة أحياناً، لكن يبقى زهد المثقف بالجاه والمنصب والتقرّب من السلطة أولوية مشروطة للمثقف الصادق، ويبقى الانشغال بهموم الناس حتّى الصغيرة إحدى وظائف النخبة. أمّا الانشغال بسرديات الحداثة والطرب بأناشيد الكتّاب الغربيين دون ربط وتجسير مع مشكلاتنا يمكن أن نطلق عليها عبث نخبوي وبطر في زمن الزهد والحرمان

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

68 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments