حسنين في خدمة الفدائيين

اخبار العراق: كتب ضياء واجد المهندس…

كان حسنين بدين بصورة غير طبيعية بالرغم من انه لا ياكل كثيرا”..اعتاد زملائنا ان يعلقوا عليه حد السخرية و يجعلوه موضوع للضحك والمزحة ، لهذا كان حسنين يقترب مني و يستشيرني بالرغم اني ليس في صفه لاني احترمه كثيرا كما احترم باقي زملائي في كلية الهندسة / جامعة بغداد.

في بداية الثمانينات ونحن في المرحلة الثالثة كانت الحرب الاهلية في لبنان على اشدها وتدخل الجيش السوري لصالح الكتائب و حاصر الفلسطنيين في تل الزعتر فارسلت الحكومة العراقية وقتها متطوعين الى لبنان تحت مظلة ( جبهة التحرير العربية) ، و وجه الاتحاد الوطني لطلبة العراق نداء” للتبرع بالدم مقابل تاجيل الامتحانات ومنح اجازة ليوم واحد. رافقني حسنين مع باقي الزملاء للتبرع، وكانت جموع الطلبة تقريبا كل الكلية والذي تجمهرت امام مصرف الدم . خصصوا مسوؤلي المصرف اثنين من المعاونين الطبيين لفحص الدم قبل التبرع ، ولان الاعداد كبيرة ، قال احدهم : شباب من تكونون على السدية نأخذ عينة الدم لنحدد صنفها ، واي شخص لديه مشكلة بالدم يبلغنا ..وصل وقت تبرعي بالدم واستلقيت على السرير الطبي ( السدية ) في الوقت ذاته استلقى حسنين على السرير المجاور لنبدأ تبرعنا بالدم ..بعد ١٠ دقائق لاحظت ان حسنين بدا شاحبا” واصفر وجهه و كانه دخل بغيبوبة ، ناديت على المعاون الطبي الذي جاء مسرعا”..
عندما فحص المعاون الطبي زميلنا حسنين، وجد ان لديه هبوط في الضغط وقدر ان نسبة الهايموكلوبين منخفضة ، فقرروا ان يعطوه دم ، ولاني قريب عليه ودمي + O , حولي دمي اليه للسهولة والسرعة بعد ان اجروا تطابق سريع ..تحول المصرف الى ترقب وضع حسنين الصحي والخشية من تعرضه لمكروه ، هذا الشاب الطيب البسيط الذي لم يؤذي نملة بحياته.

صحى حسنين وكلنا صحونا معه وتنفسنا الصعداء ، وبعدها اوقفوا تبرعنا ..نهض حسنين وهو لا يدري ماذا حل به، فقال المعاون الطبي لحسنين : الحمد لله على السلامة . اجاب حسنين : هل اخذتم دم كفاية ؟؟

اجاب المعاون محرجا ” : نعم ، اخذنا ما فيه الكفاية.

قال حسنين متباهيا ” : خذوا بعد ، خذوا من دمي ، انا في خدمة الفلسطنيين ، دمي و روحي لنصرة الفدائيين، الدم العراقي دم ابطال يمد الجرحى بالقوة والعزيمة.

شربنا عصير فواكهة وعدنا الى الكلية ، وبدا الزملاء اثناء العودة بعمل المقالب اللفظية لاني لا اريد ان ابلغه باننا لم نتبرع للفدائيين، بل تبرعت له.

عرف حسنين بما حدث ، ولم ياتي للكلية في اليوم الذي تلى الاجازة ، قلقت عليه و قررت ان ازوره برفقة صديق يعرف عنوان دار حسنين.عندما طرقت الباب ،خرجت امه وعرفت فيما بعد انها معلمة و ان ابو حسنين متوفي منذ ٤ سنوات ..في البداية لم يخرج لنا حسنين ، فقررت ان ادخل لغرفته الذي كل ما فيها علامات للطفولة البريئة ، ولشاب لم يخرج الى الحياة الصاخبة المعقدة المتشابكة مع الخديعة والنصب و الكذب والملونة بالتملق والرياء والنفاق.

قرر حسنين ان لا يكمل الكلية لان عليه ان يغير حياته.

بعد ساعتين من الحوار ، رجع حسنين عن رأية وقرر ان يعود الى الجامعة ولكنه لم يتواجد فيها كثيرا” اسوة بباقي الطلبة.

بقت علاقتي بحسنين طيبة حتى تخرجنا ، انتقل الى الشمال لان امه كردية و قد تقاعدت وقتها ..واتذكر بكاء الفتى السمين وهو يودعني ، وعندما قلت له مجاملا” : لا تنساني من اتصير ( كاكا ) ، قال حسنين الذي كانوا يلقبونه ( الفطير ) : كيف انساك و قلبي يعمل على دمك ..انت اخوي ورب اخ لم تلده خالتك ..ضحكنا وافترقنا ولم اره بعد ولكني علمت انه في النرويج.

تذكرت حسنين الطيب عندما فكرت في شعبنا المظلوم المغلوب على امره الذي حوله الفاسدون في سلوكه واخلاقياته وانماط معيشته الى شعب معظمه متملق منافق عشوائي يبحث عن الفرصة للقفز الى السلطة والثروة ولو على حساب الفقراء والمظلومين.

388 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments