ديمقراطيَّة مختنقة

أخبار العراق: عبد الخالق حسن:

الديمقراطية حالة طبيعيَّة يتمُّ التوصل إليها بمجرد الوصول الى درجة من توازن القوى، يتم بموجبها قبول الآخر طوعاً وكرها.

هذه المقولة قالها قبل سنوات بعيدة الأديب المصري (مصطفى صادق الرافعي).

وهي مقولةٌ تعبّرُ تماماً عن جوهر الديمقراطيات الناشئة التي تولد تحت ظلال الخوف، أو بعد الخروج من تجارب قاسية ومريعة، مثلما هو الحال مع الديمقراطية العراقية التي تصارع منذ 2003 للخروج من منطق التغالب الانتهازي، الذي تدير لعبته القوى المتصارعة على السلطة.

فضلاً عن أنَّها ما زالت تخضع لحالة من الانقسام الطولي والأفقي للمكونات العراقية، وهي التي كان يفترض بها أن تتعاقد على رؤية واضحة وسلسة للحكم تنتقل بالجميع من أوحال الخوف والتنازع إلى واحات الاطمئنان والتكامل، بما يجعل الجميع يكسب أكثر مما يخسر.

وقد يبدو الحديثُ عن مشكلات الديمقراطية العراقية مكرراً وممجوجاً بسبب الملل الذي أصاب الجميع، بمن فيهم القوى الحاكمة التي ترث نفسها بعد كل انتخابات، لكن لا شيء يمنح الديمقراطية خاصية الاستمرار وتصحيح الأخطاء والمشكلات سوى التذكير المستمر بهذه الأخطاء، والتقريع الدائب للممسكين بمفاتيح الحكم من أجل تفتيت المشكلات، لأنَّ العراق غارقٌ بها أصلاً بميراث كبير ألقاه على عاتقه نظام البعث الدكتاتوري مع هذا، لا يمكن لنا الاستمرار بالتنصل عن المسؤولية، ومواجهة الأخطاء الشنيعة التي ارتكبت بعد سقوط النظام.

حتى مع الحرب الشعواء التي شنت علينا داخلياً وخارجياً، يظل الاستمرار والإصرار على الديمقراطية كمنهج حكم أمراً يستحق الصبر مع مرارته، حتى نصلَ إلى استكمال كلِّ عناصر الديمقراطية التي ستنجو بنا وتنجو بالبلد من أي أزمة، مهما كبرت. لأنَّ الرهان على اعتماد الديمقراطية يبقي دائرة الصراع في حدود الأمان.

لكن، ومع أن الديمقراطية هي فضاء لا يعرف الاختناق.

كشفت أزمة ما بعد الانتخابات الأخيرة عن حالة اختناق شديدة وصلت إليها ديمقراطيتنا، بسبب ركونها إلى منطق لا يريد الجميع التخلي عنه، حتى وإن صرحوا بعكسه، وهو منطق التنافس الإقصائي، لا من أجل التصحيح، بل من أجل احتكار التمثيل والسلطة وعدم التخلي عنها.

وما الانغلاق الذي تعيشه الحياة السياسية اليوم إلَّا دليلٌ على تمدد هذا الاختناق إلى درجة تهدد الديمقراطية وتفرغها من محتواها. واختناق الديمقراطية لا يعني سوى أنها أصبحت في وجه من وجوهها تمثيلاً لدكتاتورية شرعية، إنْ جاز التعبير، أكثر من كونها نظامَ حكمٍ متقدماً.

لكلِّ هذا، لا بد للقوى الحاكمة التي تتقاسم الحكم اليوم أن تفتح نوافذ الحلول المؤطرة بالتنازلات المستمرة في ما بينها، وأن لا ترى في هذه التنازلات هزيمةً لها، بل إنَّ التنازل المتبادل في الديمقراطية هو انتصارٌ للجميع. لأنَّ الصفقةَ الجيدةَ هي الصفقةُ التي يشعر فيها كل المتصافقين بالخسارة. بما يعني أنَّ التوازن وعدم الشعور بالغبن هو الحاكم.

مصادر: بريد الموقع – متابعات – وكالات

112 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments