مذكرات معتقل في كوكب اخر

اخبار العراق:

جهاد العيدان

اية لوحة حزن تلك التي ترتسم في محيطات عمري المحطم في نفاضة السجائر اية شجرة خوف تلك التي تسلقتها روحي في قعر الموت الاحمر اية فكرة نتنة تقبض على كوابيس مخيلتي وانا احاول ان انتزع قميص موتي الجاثم فوق مقبرة الانهيار واية كلمات حاقدات تلك التي تنطلق من اشداق اولئك القادمين من صحراء الجاهلية يتحينون غفلتي كي تقتنص مخالبهم روحي الهائمة في فسيح العنفوان واية صور مرتعشة تتمايل امام ضبابية خلواتي وانا في اقبع في عاصفة الزمن البائس المتوحش واية خافيش تلك التي تتسلل الى احلامي ومملكتي لتسلب النوم من الجفون المقرحة وتمطر الحياة بوابل من الجنون قد اجر بهمومي الى نافذة الالم المتكسر في مراة النفس المحتضرة وقد اهز بتلابيب امالي كي لا اسقط الى الحضيض في متاهات ذلك الزمن العابث.

لم يكن معي في البيت الا كتب متناثرة ووالدة منهكة تنهشها الامراض والالام وصلاة ملائكية تحوم في ارجاء منزلنا القصبي ومع ذلك تتسرب رياح الشر مصحوبة باسراب من الجراد المتوحش لتغزو مملكتي ووتنشب انيابها في بقية جسدي المسجى في عتمة الليل وتسحبني من الفراش وتوقد نيران الحزن وامطار البكاء من عيون الوالدة وهي تحاول انقاذي من قراصنة الموت ولكن دون جدوى مابين النوم واليقظة احاول ان اتمالك نفسي وان افتح جفوني الغائبة في توابيت العدم الا ان جلجلة الذئاب تغزو كل الاصوات وتسقط كل الاحلام لتسحقني باستخفاف وازدراء وتسحق عباءة والدتي وتدوس على صراخها بالهراوات واعقاب البنادق وتجرني بملابسي الطفولية وتمتماتي المتوجعة واحلامي المتناثرة وهناك تقبع سيارة كالليل البهيم لالقى بين فكيها المتوحشين لتلوكني كعصفور ترنح في مطر العاصفة وتنبح اصوات محركها كالكلاب السائبة لتغرق في غبار الشوارع النائمة الحالمة لتقودني الى اقبية ذلك السجن المعتم الموبوء بالام اولئك الغيارى والوطنيين والباحثين عن الحقيقة.

لاتلمني عندما ارفع اكفي الى السماء لامسح دموع تراتيل ذاكرتي ولاتلمني ان اجهش بالدعاء وانا في قطار غيبوبة الانتظار ان غاية الانسان ان يتوائم ويتكامل وكينونة الوجود لا ان يكون امعة للوحوش الضارية المتعفنة ولا ان يكون مجرد اسفنجة لتلميع
المواعين المحروقة في قدور المواقد الليلية ابو عروبة هذا ماكان يتردد امامي رجل مكفهر الوجه ذو شاربين مقززين وعيون حولاء وشامة متدلية على وجنته اليسرى كان يتعامل بجنون مفرط مع القادمين من خلف العالم السفلي حيث يذغذغ كبرياءه ويطرب اسماعه بكلمات البؤس والحيوانية المفرطة كنت اشعر كاني دمية بيد هذا الشخص القادم من فضاءات الشر والشذوذ الصفعات والركلات والعصا الغليظة كلها تتكامل مع سمفونية الكلمات البدائية الرخيصة لاكون في رحلة اللاعودة.

في زنزانتي المحدودة كان الى جانبي شخص يدعى ابو سلام عرفت عنه انه من منطقة المعقل  كان هادئا يتفوه بكلمات راقية ومنسوب عال من الثقة بالله المتعال دون ان ينسكب او ينكسر او يتالم رغم صنوف التعذيب واشكال التنكيل كانت يده الحانية تمتد برقة نحوي كل حين لتطلق في اعماقي موجات من الحرارة والشعور بالقوة كنت كلما اعود من وجبة تعذيب اجد صاحبي يحاول ان يمدني بالطاقة الجديدة وان يمسح على جروحي النازفة بكلمات تتماوج بين شفتيه المتحركتين طالما كنت بحاجة اليه وطالما ماكنت استرق النظر الى تضاريس الالم والجراح التي تنغمر في اضلاعه وخارطته الجسدية وفي ذات يوم ذهب ابو سلام ولم يعد شعرت ان السلام الحقيقي قد غادر ديار حواسي الادمية وانسكبت دلة الخوف على قارعة مفكرتي اليومية لم يعد ابو سلام ولكن ابو يعرب عاد لزنزانتي ليرتفع من منسوب الدماء النازفة من مسامات جسدي المعذب كان يوجه شتائمه وسبابه نحوي كان يتلوى كالشجرة وسط العاصفة ويقول، ليتني لم اقتله ليتني لم اقطع بدنه لتنهش منه الكلاب لقد عاقبني وسلب النوم من عيوني خياله يجوب شوارع ذاكرتي ويسد افاق راحتي كان فعلا يتلوى ويرتعش ويرفع من عقيرته وانا اتلقى لكماته وفاحش كلماته فيما يرتادني شعور بالانتصار لصاحبي وملهمي ابو سلام فهاهو المجرم العتيد ابو يعرب يتعذب بجنون من ذلك الانسان الطاهر ,وهاهو القاتل الوضيع يتمرغ في ظلمات نفسه ويتكور في مزابل العتمة ليرى نهاية ظريقه المظلم المتسربل بوحوش العذاب القادمة.

كانت صرخاته تنشر الانتعاش في نفسي وانا اشعر بان روح ابي سلام تحوم حولي لتمنحني المزيد من البسالة والصمود في مواجهة هذه الوحوش الادمية القذرة تغيرت حالة ابي يعرب واسودت وجنتيه وبات يتردد الى زنزانتي يسالني عن ابي سلام ولماذا يطارده ولماذا يقف بينه وبين الرقاد اسئلة حائرة يلوكها في برود فلسفي متعفن فيما تتقافز وتتواثب امالي بان كابوس خفافيش الليل على وشك الرحيل تذكرت ابو سلام ذات مرة وهو يقول لاحد جلاوزة التعذيب بان الله يمهل ولا يهمل وان سوط عذاب الله سيطال المجرمين وان عقابه بالمرصاد ورغم ضحكات الجلاد العشوائية المبتذلة الا انه في قرارة نفسه يرتعد من هذه الكلمات التي تطارده كالكابوس الذي ينتظره في نهاية المطاف.

ولما غادرت زنزانتي بعد ردح من الزمن الطويل لم اشأ الا ان اطبع قبلة على باب زنزانة صاحبي الراحل ابي سلام انها قبلة للمكان الذي لمسته قدماه الطاهرة التي تماهت مع طائر الليل وهاهي تسكب نورها الوضاء في اعماق قلبي المتلهف للالتحاق به والانتهال من رحيق روحه الطاهرة.

وكالات

436 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments