هل تستطيع عصا الكاظمي ضبط الإيقاع المنفلت للسياسة في العراق؟

اخبار العراق: كتب عقيل عباس

في الأسبوع الفائت كانت خطى السياسة في العراق أسرع من المعتاد في بلد يتميز أصلاً بإيقاعه السياسي السريع حيث ازدحام الأحداث وتتابعها وتشعبها الكثيف منذ 2003.

بدأ الأسبوع بما أمكن اعتباره فرصةً معقولة للمُكلف السابق بتشكيل الحكومة، السيد عدنان الزرفي، بتمرير حكومته عبر البرلمان رغم معارضة قوى سياسية نافذة لتكليفه، وانتهى بانسحاب سريع له من التكليف ليفسح المجال لتكليفِ مرشحٍ آخر هو رئيس جهاز المخابرات، السيد مصطفى الكاظمي.

الأشد إثارة في مشهد هذا التكليف الأخير المثير بحد ذاته هو الإجماع النادر الذي حصل بشأن الكاظمي حتى من قوى حليفة لإيران كانت قبل أيام تشيطن الرجل وتنعته بالعمالة لأميركا وتتهمه بالمساهمة في عملية الاغتيال الأميركية التي قتل فيها قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

في السياق العراقي العام، ما يزال الكاظمي شخصية مجهولة عموماً لا يعرفها جيداً الا القليلون من الذين تعاملوا معه عن قرب سواء في سنوات عمله في المعارضة العراقية ضد نظام صدام حسين او بعدها في اثناء عمله في مجالي الثقافة والإعلام قبل انتقاله الى العمل الرسمي في الدولة وتوليه رئاسة المخابرات العراقية. وبحسب شهادات مختلفة، كان أداء الكاظمي في هذا المنصب متميزاً، إذ أبعد هذا الجهاز المهم عن التسييس والطائفية وساهم في مأسسته على أسس مهنية ووطنية.

بهذا الصدد، لم يأت من فراغ الاطراء الأميركي العلني للعراق على مساعدته في توفير معلومات استخبارية سهلت مهمة أميركا في التخلص من زعيم تنظيم “داعش” أبو بكر البغدادي في سورية نهاية العام المنصرم. قد تكون نقطة الصدام الوحيدة والصريحة بين الكاظمي وهذه القوى هي احتجاجات اكتوبر، اذ وقفت بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بهذه القوى ضد هذه الاحتجاجات وشيطنتها وساهمت بقمعها كما يُعتقد على نحو واسع عراقياً، بحسب شهادات كثيرة، ساهم جهاز المخابرات العراقي بإنقاذ الكثير من ناشطي الاحتجاجات الذين كانت تلاحقهم، على نحو غير قانوني، هذه الفصائل التي اصطلح العراقيون على تسميتها تهكماً ومرارةً ب”الطرف الثالث”.

كان هذا الوقوف بجانب الاحتجاج والمحتجين أحد الأسباب الأساسية في الرفض المبكر والمتكرر للقوى المتحالفة مع إيران لترشيح الكاظمي، لكن يبدو أن هذه القوى قررت، تحت وطأة الاضطرار، إلى طي هذه الصفحة وتجاوز اعتراضاتها على الكاظمي.

ثمة الكثير مما جرى في الكواليس ستكشفه الأيام بخصوص كيفية حصول هذا التحول الدرامي والسريع في موقف هذه القوى، بينها احتمال عقد الكاظمي صفقة مع إيرانٍ منهكة من الاستهداف الأميركي على أساس تفاهمات جديدة تأخذ بالاعتبار الحاجات العراقية المشروعة.

لكن الواضح لحد الآن هو أن أحد اسباب التفاف هذه القوى حول الكاظمي هو ليس حباً به، بل خوفاً من الزرفي الذي كان يُعتقد على نحو واسع إنه، كسياسي شرس وقوي الإرادة، سيسعى في حال توليه منصب رئيس الوزراء إلى تقليم أظافر الفصائل المسلحة الحليفة لإيران التي تتحدى إرادة الدولة العراقية، كما ظهر في تصريحات ومواقف له.

إزاء هذا الخطر الواضح ضد وجودها ومصالحها، بدا الكاظمي، الهاديء والقليل الظهور في الإعلام، وبخلاف الزرفي، بدون قاعدة حزبية أو برلمانية أو شعبية “أهون الشرين” الذي تستطيع أن تتعاطى معه هذه القوى وهي تعيش هذه الأيام أشد لحظاتها العراقية ضعفاً واضطراباً.

لكن افتقاد الكاظمي لمثل أدوات الضغط والتأثير السياسي التقليدية هذه، والمفيدة عادة في ظل نظام ديمقراطي يشتغل بسلاسة وفاعلية، قد يعد ميزة مهمة لصالحه في ظل فشل النظام شبه الديمقراطي العراقي العليل الذي يقوضه تشكيك شعبي مشروع، عميق وواسع، بجدوى وأخلاقية الانتماءات الحزبية والاشتغالات البرلمانية في ظل التردي السياسي والاقتصادي والخدماتي الهائل الذي يعيشه البلد تحت حكم الأحزاب المتحاصصة في السلطة وصفقاتها البرلمانية التي تخدم مصالح هذه الأحزاب وليس الجمهور.

أيضاً، مجيء الكاظمي من خارج البنية الحزبية والبرلمانية التقليدية التي هيمنت على مقاليد السلطة والثروة والقرار منذ 2003 يلبي مطلباً أساسياً لحركة الاحتجاج العراقية بإصرارها على وجه جديد لرئاسة الوزراء لا يعيد انتاج علاقات القوة الزبائنية السائدة منذ 2003، بطابعها الانتهازي الضيق واستثماراتها الفئوية والحزبية التي قوضت معنى الصالح العام وأطاحت به.

تحرر الكاظمي شخصياً من أعباء الحزبية العراقية بكل اثقالها البرلمانية السيئة وصفقاتها وتفاهماتها المريبة، قد يكون ميزة كبرى له إن استطاع استخدامها على نحو حاذق بأن يكون ضابطاً لإيقاع صراعات القوى من فوق، وليس طرفاً فيها، ليساهم في حل بعض هذه الصراعات من خلال حسمها لصالح تحقيق الإجماعات العراقية القليلة التي ينبغي أن يستند حكمه عليها: احتكار الدولة للسلاح والتهيئة لانتخابات مبكرة ونزيهة من خلال قانون انتخابي عادل، حتى الفصائل المسلحة التي تتحدى الدولة لا تستطيع ان تعترض على مبدأ احتكار الدولة للسلاح، ولا ان تدافع عن تدخلها في الشأن السياسي.

في الحقيقة، الأدوات القانونية والمؤسساتية متوفرة لتحقيق مثل هذا الاحتكار للسلاح والخطاب الرسمي، لكن العائق الحقيقي هو غياب الارادة السياسية لإنفاذ القانون واسترجاع هيبة الدولة بهذا الصدد، سيكون هذا هو تحدي الكاظمي الاصعب والاهم: إنضاج وتنفيذ هذه الارادة. سيمهد نجاحه في هذا التحدي تعبيد الطريق لإجراء انتخابات نزيهة ومبكرة، إذ لا يمكن إجراء انتخابات ذات صدقية داخلية واقليمية ودولية في ظل سلاح

مليشياوي يهدد اصل العملية الديموقراطية في البلد ويحتكر معنى الوطنية العراقية على اساس مشروع مقاومة إقليمي لم يختره العراقيون ولم تتبناه مؤسسات الدولة العراقية. إذا استطاع الكاظمي أن ينجز هذين الأمرين: احتكار الدولة للسلاح والخطاب وتنظيم انتخابات نزيهة وعادلة، فسيكون قد حقق لنفسه وللبلد في فترة عصيبة إنجازاً كبيراً.

على الرغم من أن خطاب الكاظمي التلفزيوني بعد التكليف لم يتناول إجراء انتخابات مبكرة، مكتفياً بإشارة عامة وعابرة إلى أن مطالب المحتجين “أمانة في أعناقنا،” معطياً الاولوية لملفات مواجهة كورونا وتبعات الأزمة المالية بعد انخفاض أسعار النفط فضلاً عن احتكار السلاح وتأكيد سيادة الدولة، سيكون القفز على مطلب الانتخابات المبكرة والنزيهة خطأ فادحاً قد يؤدي الى اعادة اشتعال الاحتجاجات الشعبية ما أن تتراجع حدة ازمة كورونا.

فالأوضاع التي قادت إلى هذه الاحتجاجات، من فساد مالي وترد اقتصادي وخدماتي واستئثار حزبي بالموارد، ما تزال باقية وعلى الأغلب لن تستطيع حكومة الكاظمي ان تعالج أسبابها على المدى المنظور. لكن قبل كل هذا، يحتاج الكاظمي أن يجتاز تحديه الاول المتمثل بالنجاح في تشكيل كابينة وزارية ونيل المصادقة البرلمانية عليها، فالإجماع السياسي حوله كما برز في مشهد التكليف هو إجماع هش فرضته المخاوف وليس الرغبات.

وبالتالي فإنه يمكن لهذا الاجماع ان يتصدع سريعاً إذا استغرق تشكيل الحكومة الجديدة كامل الشهر الذي نص عليه الدستور. فالقوى التي وجدت نفسها فجأة مضطرةً لدعم الكاظمي خوفاً من الزرفي، ما تزال تفضل استمرار رئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي، على سدة السلطة حتى بصفة تصريف الاعمال لأنه الحليف الأفضل لها والأضمن لمصالحها.

بعض ما سيحمي هذا الإجماع الهش من التصدع هو تشكيل الكاظمي لفريق حكومي متماسك تتنوع فيه الخبرات والمهارات وتتكامل، ويستطيع عبره التعاطي بكفاءة مع مشاكل البلد المعقدة ويخفف من حدتها. بهذا سيتجنب الكاظمي الخطأ الفادح للمكلف الأسبق، السيد محمد توفيق، الذي قدم كابينة وزارية ضعيفة أثارت الكثير من الخيبة والانتقاد ما ساهم في فشل تكليفه في آخر المطاف.

الإسراع بتقديم كابينة حكومية رصينة ومتماسكة سيقطع على هذه القوى فرصَ التقاط انفاسها وإعادة تنظيم صفوفها وبالتالي استعادة ثقتها بنفسها التي عادةً ما تعني في عراق حكومة السيد عادل عبد المهدي تغول هذه القوى وسعيها لفرض إرادتها على المجتمع والسياسة في البلد. قد تمثل حكومة ذكية وواقعية يقودها الكاظمي مخرجاً عراقياً من هذا التغول الذي قوض كثيراً تجربة الدولة في البلد.

428 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in مقال.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments