ولفريد ثيسيغر.. الأنكريزي المعيدي

اخبار العراق: في يوم 24/ 8/ 2003، بثت إذاعة البي بي سي خبراً من لندن وكان ملفتاً: مات صديق العراق.. مات صديق الأهوار.. مات ولفريد ثيسيغر..! إعلاميو البي بي سي يعرفونه كما يعرفه القائمون على متحف الانثربولوجيا التابع لجامعة أكسفورد حيث ترك لهم ثروة هائلة من الصور والوثائق والمعلومات عن “عرب الهور” العراقي، هل من العراقيين من يعرفه.

سأتحدث عن الرجل من وحي كتابه “عرب الهور”، كتاب من القطع الكبير عدد صفحاته 385 صفحة ومزود بالصور، ترجمه سلمان كيوش، وكانت ترجمة بمنتهى الأمانة والإخلاص والحب للمؤلف وعمله. ولأن المترجم من ذات البيئة التي كتب عنها المؤلف، جاء الكتاب بغاية الروعة فيما يخص ترجمة أصعب المفردات والصيغ المستخدمة في هذه البيئة، لم يتدخل المترجم في ما يترجمه حرفياً، بل وضع لنفسه هوامشاً يفسّر بها ويشرح وأحياناً يصوّب معلومات المؤلف. كما قلت المترجم من نفس المكان.

سأتحدث عن هذا الرجل من وحي كتابه، ليس لأنه لم يتحدث عن نفسه في الكتاب فحسب، بل ولأن الكتاب نفسه لا يشبه شيئاً معروفاً لي، هو ليس ببحث انثربولوجي، كما هو لا يشبه الرواية ولا السيرة ولا ينتمي حتى لأدب الرحلات، لكنه يكاد ينتمي لكل هذه الأجناس، شريط سردي/ سينمائي يشعرك أنك لا تسمعه بل تشاهده، كتبه وكأنه بصدد الحديث عن عالم من البكورية والطهارة لا يستحسن تلويثه بموبقات الحضارة والمدنية، لذا جاء بلا أستنتاجات وآراء وأفكار مسبقة للمؤلف إلا ما ندر، شريط وثائقي لرجل قرر أن يعيش مع المعدان حتى صار واحداً منهم، أتقن لهجتهم وعاداتهم ووسائلهم وتكيف مع سبل معيشتهم.

طيلة سنينه روض نفسه على حمية “التمن والروبة”، وكان بالنسبة لهم الصاحب الذي لا يمكن الاستغناء عن خدماته، وهي خدمات طبية رغم أنه ليس بطبيب، عالج وأنقذ حياة الكثيرين منهم، سأله مرة أحد سراكيل الشيخ مجيد الخليفة واسمه “صدام” حائراً من أمره، كيف يتحمل عناء حياة المعدان في أهوارهم، بيوت تحت الماء مليئة بالبرغوث والبعوض، النائم فيها لا يدري متى تطأ وجهه جاموسة وهو غاف وطعامهم لا يتعدى عن الرز واللبن وهو كل ما يملكون:

– من يغطي نفقات رحلتك؟ كم هو راتبك؟
– ليس لدي راتب وأنا الذي أتحمل نفقات رحلاتي.

قرأ في عينيه استغرابه، أنه لم يصدقه، واصل

– أنا أبحث عن المعرفة..
ليرد عليه صدام بدهشة:
– تبحث عن المعرفة بين المعدان؟!
– من الممكن أن نجد المعرفة في أي مكان..

يقول ثيسيغر: رددت عليه بإيجاز، فمن المؤكد ما كان ليصدقني لو قلت أني أتنقل لأجل الاستمتاع.

وفي الحالتين من الذي سيصدقه، كان بعض موظفي الحكومة الأفندية في النواحي والأقضية التي يمر بها، يشكون أنه جاسوس. وهو يعرف هذه الشكوك ويتساءل لنفسه، يا ترى ما هي الأسرار الخطيرة التي سأجدها لدى المعدان؟

لقد مات هذا الرجل عن عمر ناهز الـ93 سنة، بينما حياة أكبر معيدي لا تتعدى الستين سنة في كل الأحوال إلا الشواذ منهم.

بسبب كثرة الأمراض التي تفتك بهم في بيئة كأنها تعيش خارج الزمن، قضى ثلثي عمره مترحلاً في أكثر الأماكن هامشية وبعداً عن الحضارة، وكأنه لا يجد في الصعاب إلا تحديات موجهة له شخصياً وعليه إقتحامها، عاش في أدغال أفريقيا ردحاً من الزمن، في الحقيقة هو مولود في أثيوبيا حين لم تكن في أثيوبيا كلها سيارة واحدة وعاش مع الأفغان في جبالهم كما عاش مع الكورد وعبر الربع الخالي مرتين ذهاباً وإياباً برفقة بعير أجرب مات في منتصف المسافة ودليل مخلص من البدو، وجاء أخيراً إلى أهوار العراق ليس زائراً بل مستوطناً على مدى سبع سنوات.

أهم ما قرأته في هذا السفر، أنه أرّخ لأهم حدث عراقي في القرن العشرين، بصفته شاهد محايد، الهجرة المهولة من الريف إلى بغداد والتي تصاعدت بشكل ملفت سنة 1955 أثر تداعيات فيضان 1954 “ريف العمارة على وجه الخصوص”، كان الشيوخ يتعاملون مع أبناء عشائرهم كما لو كانوا كلاباً وعلى حد تعبير الشيخ مجيد الخليفة حين سألته ماذا سيفعل لهجرة أغلب الشغانبة إحدى العشائر التي استولى على أراضيها.. قال، “ذهبت كلاب، سأجد كلاباً أخرى لتسكن مكانها”.

وماذا ستفعل لو هاجر المزيد، فقال أنه سيتخلى عن زراعة الرز ويكثف زراعة الحنطة والشعير مستعيناً بالمكائن، إن أرضه هي شغله الشاغل، وليس عشيرته.

لم يهاجر معظمهم بسبب العوز فقط –وهذا كان سمة حياتهم- بل لسبب أكثر وجاهة، جاء على لسان أبناءهم الشباب الذين تجشم بعضهم عناء التعرف على المدارس غير المتوفرة إلا في النواحي والأقضية والمدن: لماذا نبقى هنا ونرهق أنفسنا محاولين زراعة المحاصيل للشيوخ؟ لماذا يتوجب علينا العمل من أجهلم؟ نحن أحرار، لسنا عبيداً، ورغم ذلك يعاملوننا كالكلاب.. أي حق لهم في الأرض؟ إن أي حكومة حقيقية لا بد أن تأخذها منهم وتعطينا إياها، لن نكون هنا بعد فأن بقينا فلسوف نتضور جوعاً، أما إذا ذهبنا إلى بغداد، فبإمكاننا كلنا العمل، وخلال شهور سنصبح اثرياء.

الشيوخ أنفسهم قلقون بشكل جاد لأن الهجرات الجماعية لرجال العشائر تهددهم بأن لا تترك أحداً يعمل في حقولهم، لا سيما وأن سلطتهم، على أولئك الذين بقوا بدأت بالضعف وربما زالت قريباً، نظّم القرويون قبل انطلاقهم إلى بغداد هوسة أمام مضيف أحد شيوخ “آل أزيريج”، فهزجوا:

“حمّال ولا عند نكال”، جاءت في الكتاب هكذا “Hamal wa la and Inkal”.

عدلها المترجم من نكال إلى نكالة لتتماشى مع موسيقى الـ”هوسة ونكال”، هذا هو أحد كبار شيوخ آل أزيريج استحوذ على كل الأرض الصالحة للزراعة على ضفاف بعض الأنهار وفي البراري الديمية.

وكالات

1٬041 عدد القراءات
0 0 votes
Article Rating
Posted in رئيسي.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments